ومن أجل ذلك قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول :مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة .
المطلب الثاني:الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة .
المطلب الثالث:الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد أثناء بحث النازلة .
هذا والله أسأل أن يجد القارئ في هذا التأصيل لفقه النوازل ما ينتفع به طلبة العلم والباحثين ويرأب الصدع الذي حدث بين بعضهم من جرّاء أحداث الأزمة الراهنة ، ولا أزعم أخواني القراء الإحاطة والإستقصاء وإنما هي محاولة متواضعة أفتح فيها المجال لأهل العلم والفضل لإشباع هذا الجانب المهم من التأصيل ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، كما أود التنبيه أني قد استعنت في بحثي هذا بدراستي الموسعة حول هذا الموضوع في رسالتي للدكتوراه والتي كانت بعنوان :(منهج استنباط الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة ، دراسة تأصيلية تطبيقية) والتي سوف تنزل المكتبات قريباً إن شاء الله.
المطلب الأول :مناهج الفتيا في النوازل المعاصرة
برزت في العصر الحاضر مناهج في النظر فيما استجد حدوثه من نوازل وواقعات وبرز لكل منهج منها علماء ومفتون وجهات تبني اجتهادها في النوازل من خلال رؤية هذه المناهج وطرقها في النظر .
وهذه المناهج المعاصرة في الفتيا والاجتهاد ليست وليدة هذا العصر بل هي امتداد لوجهات نظر قديمة واجتهادات علماء وأئمة سلكوا هذه المناهج وأسسوا طرقها .
فلن يكون مقصود بحثنا تأريخ هذه المناهج ورموزها إلا بقدر ما يوضح مناهج الفتوى والنظر في عصرنا الحاضر إذ هي الوعاء لكل ما يجدَ وينزل بالناس من أحكام وواقعات معاصرة .
ويمكن إجمال أبرز هذه المناهج المعاصرة في النظر في أحكام النوازل إلى ثلاثة مناهج، هي كالتالي: -
أولاً : منهج التضييق والتشديد .
من المقرر شرعاً أن هذا الدين بُني على اليسر ورفع الحرج وأدلة ذلك غير منحصرة ، فاستقراء أدلة الشريعة قاضٍ بأن الله عز وجل جعل هذا الدين رحمة للناس ، ويسراً، والرسول صلى الله عليه وسلم أصل بعثته الرأفة والرحمة بالناس ورفع الآصار والأغلال التي كانت واقعة على من قبلنا من الأمم ، يقول الله تعالى :[لَقَدْ جَاءكمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ](1).
ويقول عز وجل : [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ] (2)
، ويقول عليه الصلاة والسلام : (( إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً ))(3)
ومن أبرز أوصافه عليه الصلاة والسلام ما قاله ربه عز وجل : [وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ](4).
ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يترك بعض الأفعال والأوامر ، خشيه أن يشق على أمته كما قال عليه الصلاة والسلام:( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ))(5)
ونظائره من السنة كثير ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يأمر أصحابه بالتيسير أيضاً على الناس وعدم حملهم على الشدة والضيق ، فقد قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ لما بعثهما إلى اليمن : (( يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا ))(6).
إن منهج التضييق و التشدد من الغلو المذموم انتهاجه في أمر الناس سواءً كان إفتاءً أو تعليماً أو تربية أو غير ذلك ، وقد يهون الأمر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس به ، ولكن الأمر يختلف عندما يُتجاوز ذلك إلى الأمر به ، والإلزام به،ويمكن إبراز بعض ملامح هذا المنهج في أمر الإفتاء بما يلي :-
أ-التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد العلماء :
تقوم حقيقة التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض على الحق النهائي – في الأمور الاجتهادية – الذي لا جدال ولا مراء فيه ،فيؤدي إلى انغلاقٍ في النظر وحسن ظنٍ بالنفس وتشنيع على المخالف والمنافس ، مما يولد منهجاً متشدداً يتَّبعه الفقيه أو المفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر وحرمة غيره من الآراء و المذاهب؛ مما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذاك المذهب دون غيره من الآراء و المذاهب الراجحة .