تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس من المستبعد أن تكون آلة الحرب الضخمة ، وحمم النار التي تصب على العراق بلا حساب قادرةً على حسم النتيجة الأولية لهذه الحرب لصالح الطرف الأقوى ، وعلى اضطرار فئات من هذا الشعب إلى الرحيل نحو المجهول .

لكن هانحن نرى الشعب الفلسطيني مثلاً يقاوم ببسالة وضراوة وصبر وإصرار بعد هذه الحقب الطويلة من الاستعمار ، مع الأخذ بالاعتبار الفارق بين استيطان يهودي مكشوف ، وسيطرة أمريكية محتملة على العراق .

إن الاندفاع الأمريكي نحو التوسع والسيطرة قوي جداً ، وليس هو استثناء من الاندفاعات الإمبراطورية التاريخية ، غير أنه مسرف في حسن ظنه بنفسه ، وإظهار براءته وسلامة أهدافه ونبل مقاصده ، وهو مسرف أيضاً في الاستخفاف بالقوى التي لا تتفق مع رؤيته للأمور .

ولعل هذا وذاك هما المسؤولان عن سؤ التقدير الذي وقعت فيه القوات الغازية التي يسمونها خداعاً وتضليلاً بـ"قوات التحالف" .

تقفز إلى ذهني وأنا أشاهد الموقف الآية الكريمة التي نزلت بشأن غزوة بدر "وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"[الأنفال:48] والشيطان لم يكن مريداً للتغرير بالكافرين وهزيمتهم ، ولا وقوعهم في قبضة المؤمنين ، ولكن الرغبة العمياء لا تمنح الإنسان فرصةً التأمل والنظر وحسن التقدير .

والظن أن قوى المعارضة المندفعة مع الركب الاستعماري ذات أثر في الصورة المرتسمة عن الداخل العراقي ، والتي ظنت أن الحرب نزهة صحراوية لن تتجاوز بضعة أيام ، بل يمكن تجنبها من خلال ضربات نوعية سريعة تعطي الشعب فرصةً للانتفاض والانقضاض .

إن الشعب العراقي اليوم يعيش تحت وطأة ظلم جديد ، وغزو فاجر ، يتحدث عن تحريره وحقوقه ، ويبشره بالديموقراطية القادمة عبر الصاروخ والدبابة ، ويحاول تحويله إلى أرتال من الجياع والمرضى والمصابين ليمن عليه بعد ذلك بالمساعدات الإنسانية التي تستقطع من أرصدة بلده ، بينما تذهب ثرواته وخيراته إلى جيب المعتدي !

وهذا سر من أسرار قوته ، فإن المظلوم منصور ولو بعد حين "وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا"[الإسراء:33]

وحين أذن الله تعالى بالقتال علل ذلك بقوله :" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ"[الحج :33] الآيات .

وفي المسند أن عمر رضي الله عنه سأل رجلاً ممن أنت فقال : من عنزة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( حي من هاهنا مبغي عليهم منصورون ) .

ولعل هذا من أسباب اختلاف الصورة اليوم عما كانت عليه أثناء حرب الخليج الثانية ، حين احتلال العراق الكويت ، حيث كان معتدياً ظالماً ، فانكسر انكساراً سريعاً ، ولم يفلح في أي مقاومة ، بينما هو اليوم معتدى عليه في أرضه ، ومقصود بالتدمير والقضاء على قدراته الحاضرة والمستقبلية ، فهذا عزز موقفه في الدفاع والمقاومة .

ومن تأمل سير الأحداث واستقرأ سنن الله فيها رأى العجب في لطائف الحكم الربانية ، وكيف يجري الله تعالى القدر وفق علمه وحكمته وعدله ، وإن كان هذا المعنى قد يغيب عمن يشهد اللحظة الحاضرة ويندمج فيها ، فتستغرقه عن رؤية ما قبلها ، أو توقّع ما بعدها .

وكان جديراً بمن عانى مرارة الظلم أن يكون أبعد الناس عنه ، وأشدهم نفوراً منه، وأعظمهم خوفاً من عاقبته وشؤمه ، ولهذا يقال في مأثور الحكمة : (( من أعان ظالماً سلط عليه )) !

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٥٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٥٥٢