تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل يفهم هذا من الدعوة للأحكام الشرعية إلا من في قلب مرض من الشريعة ؟

أم المراد به تطبيق هذه الأحكام في جميع جوانب الحياة السياسية والاجتماعية ؟

أم ماذا ؟

في ظني أن القوم سيستمرون في استجرار هذه الاسطوانة من غير أن يوضحوا مرادهم منها ، لأنه لا يظهر مراد يستقيم لهم إلا أنه رفض للحكم الشرعي واشمئزاز منه ، بحيث يظهر لنا احترامه وحبه الباطني للحكم ، ويحاربه ويستميت في مواجهته علنا وظاهرا.

5- ثم إن الواقع أن الخلاف مع الليبراليين وبقية المفسدين ليس في مسائل إجرائية ،أو مصلحية بينهم وبين الصحوة ، بل واقع الأمر أن الخلاف في منهجية التعامل مع النص ، وفي قبول الرؤى المصادمة للنص ، وفي مسائل حاسمة لا يختلف أحد أنها من صميم الشرع ، فمحاولة خداع الناس ، ودس رؤوسهم في التراب وإيهامهم أنه صراع مع أشخاص لا مع دين ، هو أسلوب ماكر لكنه مكشوف ، يصل إلى حد الطرافة عند بعضهم حين يرى المعركة مع الحركيين المسيسين للدين وليس مع العلماء والمشايخ الفضلاء ، مع أنه يعلم علم اليقين أن هؤلاء المشايخ الذين يريد أن يتمسح بهم هم أول من ينكر أطروحاتهم وتشغيباتهم.

الذريعة الثالثة :

التمسك بالمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية .

وهي ذريعة جديدة لم يتفطن لها القوم في مجتمعنا إلا من قريب ، وهو لا يعدو استغلال وامتطاء للتمرير والتبرير ، ولعلنا نقرب المجهر قليلا على طريقة القوم في التعامل مع المقاصد الشرعية لتظهر الصورة الحقيقية لهذا الاستغلال المكشوف :

1- إن المقاصد يراد بها الأصول والكليات العامة ، والتي من أجلها شرعت الفروع والجزئيات ،

وعليه : فلا قيمة للمقاصد إلا من خلال معرفة الفروع والجزئيات ، ومن يريد الأخذ بالمقاصد من غير أخذ للفروع والجزئيات فهو كمن يريد أن يعيش في بناء من غير أساساته وقواعده !

2- ثم إن كثيرا من المقاصد العامة مما يتفق عليها جميع الناس - مسلمهم وكافرهم - فالعدل والرحمة والمساواة والتيسير هي أمور لا يختلف عليها أحد ، ومن يريد أن يأخذ بالمقاصد الشرعية من غير التفات لفروعها المقررة لها هو في الحقيقة لم يأخذ من الإسلام بشيء ، لأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عميقاً حين قال : من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلا من غير التزام بالشرع فهو كافر،

وعليه : فمن يظن أن الإسلام جاء في باب من الأبواب بأصول عامة كالعدل وترك للناس أن يضعوا لها التفاصيل كما يريدون؛ فهو مغرقٌ في الوهم من حيث لا يشعر ، لأن الإسلام لو جاء كما يقول بمثل هذا فهو في الحقيقة لم يأت بشيء ، ولكان حكم الإسلام - وحاشاه - فضلة وتأكيدا يمكن الاستغناء عنه بغيره .

وعلى طريقة أولئك المتلاعبين يمكن نقض كل الأحكام الشرعية بلا استثناء من خلال التمسك بالمقاصد الشرعية ، بل حتى التوحيد الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب ، يمكن أن نجعله أمرا مباحا من خلال المقاصد الشرعية .

وإلا فما الذي يمنع قائلاً أن يقول : الزنا حلال لأن فيه تيسير ومن مقاصد الشريعة التيسير..!

والمرأة كالرجل في الإرث لأن من مقاصد الشريعة العدل والمساواة!

والكافر إذا مات على كفره فهو من أهل الجنة لأن من مقاصد الشريعة الرحمة !

والخلاف في المقاصد لا حد ولا حصر له ، فهي مصطلحات مطاطة يقدر المفسدون أن يضعوا في عباءتها ما يشاءون من كافة الانحرافات والتوجهات.

3- والغرابة تكمن أن التمسك بروح الإسلام ، ومقاصده لنسف فروعه وجزئياته ، هذه الطريقة العرجاء لا توجد إلا مع النصوص الشرعية ، ولو أن أحداً من الناس طبق هذه الطريقة على نظام إداري مثلا لضُرب على أم دماغه ، فروح النظام ليس ذريعة لإلغاء تفاصيل النظام ، وإلا لغدت البلاد فوضى .

أقف عند هذه الذرائع الثلاث ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، وإلا فالذرائع والحيل يطول حصرها وتتبعها ، غير أن جماعها وصولٌ إلى رؤى منحرفة ، وأفكار مشبوهة من خلال التمسح بالدين ، وإظهار التمسك به ، فتتعدد الأسباب والفساد واحد.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٥٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٥٢٥