وأخرج أيضا(عبدالرزاق في المصنف14649 ) بإسنلد صحيح عن إبراهيم عن علقمة قال : إذا نزلت على رجل لك عليه دين فأكلت عليه فأحسبه له ما أكلت عنده ، إلا أن إبراهيم كان يقول : إلا أن يكون معروفا كانا يتعاطيانه قبل ذلك .
وثم جملة آثار أخر في هذا الباب ، وفي أسانيد كثير منها مقال . (انظر في المصنف :عبد الرزاق﴿5/142﴾ وفي السنن الكبرى:للبيهقي ﴿5/349﴾ .
قلت: لكن إذا أقرضت رجلا مبلغا من المال ورده إليك مع الزيادة ( بدون اشترط منك) وكانت نفسه طيبة بذلك فلا مانع من قبوله ، وذلك لما في الصحيحن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن (يعني: جمل له سن معين ) من الإبل فجاءه يتقاضاه فقال: (أعطوه ) فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها (وفي رواية أخرى : لانجد إلا سنا أفضل من سنه) ، فقال : ( أعطوه ) ، فقال : أوفيتني أوفى الله بك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن خياركم أحسنكم قضاء ). البخاري:2393ومسلم :1601 .
* وفي الصحيحين أيضا من حديث جابر رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد وكان لي عليه دين فقضاني وزادني ) .البخاري :2394 ومسلم ص 1222و1223.
* وأيضا ينبغي أن يتحفظ الشخص ويتورع عن الهدية أن كانت تقوم مقام الربا فقد يقترض شخص من شخص مالا ويحل وقت السداد ولا يطيق المدين السداد ؛ فيسلك مسلك الإهداء لصاحب المال حتى يسكته وحتى يصبر عليه فحينئذ من الورع ترك الهدايا ، نعم إنه يجوز قبولها ما لم يشترط لكن الأورع ترك الهدية إذا كانت بهذه المثابة .
وفي هذا الباب أذكر ما أخرجه البخاري :3814 رحمه الله من طريق أبي بردة قال : أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال : ألا تجيء فأطعمك سويقا وتمرا وتدخل بيت ؟ ثم قال: إنك في أرض الربا بها فاش ، إذا كان لك على رجل حق فأهدي إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا .
* وكما أسلفنا فيجوز أن تهدي المرأة للرجل وأن يهدي الرجل للمرأة ومحل ذلك ـ كما هو معلوم ـ عند أمن الفتنة ، أما إذا كانت هدية المرأة للرجل أو الرجل للمرأة يتأتى من ورائها فتنة ، وتقع المرأة في قلب الرجل ويقع في قلبها ويحدث من وراء ذلك المحرم ، فحينئذ تمنع الهدية لا لكونها حراما ، ولكن سدا للذريعة الموصلة إلى الحرام فالله لا يحب الفساد.
* ولا ينبغي أن تحرج أحدا وتحمله على الإهداء لك ، فإنك إن فعلت أوشكت أن لا يبارك لك في هذا الشيء المهدى ولكن إن أهدي إليك أو أخذت الشيء بغير مسألة و لا إشراف نفس بورك لك فيه ، ولتحرص على أن تكون نفس المهدي طيبة وهو يهدي إليك ، وانظر إلى هذا الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه ، وانظر إلى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطيب نفس المعطي .
أخرج البخاري : (2607 ـ 2608 )من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين جاءه وفد هوزان مسلمين . فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم : ( معي من ترون ، وأحب الحديث إلى أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي وإما المال ، وقد كنت استأنيت ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ـ فلما تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا : فإنا نختار سبينا . فقام في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : ( أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين .وإني أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل) . فقال الناس : طيبنا يا رسول الله لهم . فقال لهم : ( آنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤهم ) . ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا و أذنوا .