ــ فالصورة التي انتهى إليها هؤلاء ( الإصلاحيون ) أنهم استدبروا المؤسسة الدينية ، وأخذوا يتكلمون للناس ويربون ، وأوجدوا واقعا جديدا بعيدا عن الواقع القديم ، وفرضوه على الواقع القديم . ثم حدث الاستبدال بعامل الوقت ، وبعصا السلطان .
ــ المحور الأخير وهو المنسق والمفعل لكل هذه المحاور هو عصا السلطان ، التي سمحت لهذا ومنعت هذا ، وقدمت هذا وأخرت هذا ، وولت هذا وعزلت هذا ، كانت يومها في أرض الكنانة مع المجرمين وتحارب الطيبين ، وهي اليوم غائبة بل منحازة ( للملتزمين ــ المطاوعة ) وهي نعمة من الله لا بد من شكرها .
ــ بقى أن شيء لابد من ذكره ، وهو أن سبب تقبل المجتمع المصري للطرح التغريبي هو الإرجاء جرثومة الإرجاء ، عَمَلَت جرثومة الإرجاء عملها في عقيدة الأمة ، فأخرجت العمل من مسمى الإيمان ليكون شرط كمال لا شرط صحة واقتضاء ، فانحسر الإيمان في ذهن العوام إلى نطق بالشهادتين ، وإقرار باللسان ، وانتساب في الجملة إلى الإسلام .
ولولاه ـ أعني الإرجاء ـ ما انبهر بهم الشعب ولا من ذهبوا مبعوثين عن الشعب .
لولاه ما ذهبت النخبة من أبناء الأمة بل من طلبة العلم الشرعي في الأزهر الشريف ، إلى هذه البلدان الكافرة تتلمذ على يد أبنائهم ، وتثني عليهم ، وتريد منا تقليدهم والسير في ركابهم .
لولا الخلل العقدي الذي أحدثته جرثومة الإرجاء في المفاهيم الإسلامية ، والتصورات العقدية عند هذه النخبة ، لوقفوا في ديارهم حين رأوا حالهم يقولون لهم : " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ." " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحانه وتعالى عما يشركون .
ولعادوا إلينا يقولون لنا : إنهم أهل دياسة لا يغار الرجل على عرضه ، وأهل كفر لا يتحاكمون إلى شرع الله ...ولكن شيئا من هذا لم يحدث . بل أُشربت قلوبهم الفسق بضلالهم وبُعدهم عن منهج الله الصحيح ، فعادوا يريدون من الأمة أن تسير في ركاب الضالين ... وأن تقتفي أثر باريس وبرلين ، وأن تحمل على أعناقها الفسقة والمجرمين .
واليوم الإرجاء موجود ولكن بشكل آخر ( سلفي ) ملتزم هو بالسمت والشعائر ، ولكنه لا يرى حرجا على من ترك وبدّل أو ردَّ وعاند واستكبر ما دام ينطق بكلمة التوحيد . والموت بالزهرِ مثل الموت بالفحم . فالمحصلة واحدة بين إرجاء الأمس وإرجاء اليوم .
إرشادات لإحباط كيد المجرمين [13]
ــ غالب من يتكلم يتجه للجماهير بخطاب عام ، وهذا وحده لا يكفي .
من يتدبر في نشأة الدول ، والفرق ، يجد أن الجماهير لا تدخل مراحل الصراع الأولى ، وان الجماهير مع مَنْ غلب في الأخير ، فهي طيِّعة تُؤتى من أذنها . ولكن تنشأ الدول والأفكار بطريقة التنشئة والتربية ثم التوجه للجماهير بخطاب عام يتناسب مع مستوى وعيها وقتئذ .
مثلا الدولة العباسية ، بدأت بالدعاة المخلصين ثم مارس هؤلاء الدعوة السرية ثم اتجهوا ـ بمن أطاعهم ــ للجماهير بخطاب حماسي تحريضي وساروا إلى بني أمية في دمشق وأسسوا الدولة ، واشتُهر في التاريخ اصطفاء مجموعة من الأفراد ذوي المهارات المعينة من أجل تنفيذ مهام محددة ، وكان أكثر ذلك في القتال ، وعلى سبيل المثال المماليك البحرية[14] والفتيان العامريون[15] والانكشارية [16]
ومن هذا الكلية التي أنشأها اللورد ( كرومر ) و ( الشيخ ) محمد عبده ( 1849م ـ 1905م ) في مطلع القرن العشرين لتخريج قضاة شرع من ذوي الطابع التحرري . . . كانت بمثابة محضن تربوي لمجموعة منتقاة من الطلبة وتعتمد على برامج علمية منتقاة أيضا لتحقيق أهداف خاصة ... كانت ( نظم تذود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري ولا تحصر الطالب في الدراسات الخاصة) و( قد كانت تجربة أثبتت نجاحها من كل والوجوه ) كما يقول ( كرومر ) في تقريره لحكومته عام 1905م[17] . وهذه المدارس هي التي خرج منها جيل كامل من الشاذين فكريا وأصحاب الطموحات الدنيوية ـ كما يصفهم الدكتور محمد محمد حسين ـ يرحمه الله ـ والذين كانوا سببا رئيسيا من أسباب تغريب الأمة [18].