تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8. ومن لازم هذا القول تحريم تداول أسهم البنوك الإسلامية بقيمتها السوقية لأن الغالب في موجودات تلك البنوك أنها نقود أو ديون في ذمم المتمولين ، ومع ذلك فعامة الهيئات الشرعية لتلك البنوك على الجواز .

ثالثاً-وعلى فرض التسليم بصحة التكييف الثاني لبيع الأسهم – وهو أن له حكم ما يمثله السهم من موجودات – فالذي دل عليه حديث ابن عمر السابق "من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" أن المبيع إذا اشتمل على نقدٍ واشتري بنقدٍ من جنسه ، ولم يكن النقد المخلوط مقصوداً فلا يلتفت إليه بمعنى أنه لايجري على الصفقة حكم الصرف ، حتى ولو كانت قيمة النقد المخلوط أكثر من قيمة الخِلط الذي معه ، قال ابن قدامة –رحمه الله- : "الحديث دل على جواز بيع العبد بماله إذا كان قصد المشتري للعبد لا للمال... فيجوز البيع سواء كان المال معلوماً أو مجهولاً ، من جنس الثمن أو من غيره ، عيناً كان أو ديناً ، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر (77).

ومن المعلوم أن العبد لا يملك وأن المال الذي بيده مآله للمشتري ، ومع ذلك جاز البيع مطلقاً بدون تقابض ولا تماثل حتى مع اتفاق النقدين ( المال الذي معه ، والثمن الذي يشترى به العبد ) ، وحتى لو كان المال الذي مع العبد أكثر من قيمة العبد نفسه .

ولا يشكل على هذا الحديث حديث القلادة – المتقدم – فإن الذهب الذي في القلادة مقصود للمشتري بخلاف المال الذي مع العبد .

وهذا أحسن ما قيل في الجمع بين الحديثين .

ويؤخذ من هذين الحديثين أن العبرة بالقصد لا بقيمة المال الربوي ، فإن كان المال الربوي مقصوداً فوجوده في الصفقة مؤثر ، وإن كان تابعاً فلا يؤثر ، كما أن هذا التفصيل يتماشى مع القواعد الشرعية : " العبرة في العقود بالمقاصد " و " التابع تابع " وغيرها.

وبخصوص الشركة التي نتحدث عنها ، وهي شركة الصحراء ، وغيرها من الشركات الإنتاجية حديثة التأسيس فإن النقد الذي فيها ليس بمقصود لأمرين :

الأول : أن المشتري –بشرائه السهم- لا يقصد الحصول على النقد الذي في الشركة ، ولا ينتقي من الشركات ما هو أكثر نقديةً ، بل قصده الحصول على الربح الرأسمالي أو الدوري أياً كانت الموجودات .

والثاني : لأن المقصود من نشاط الشركة هو الاستثمار في المنتجات البتروكيماوية ، وهي من العروض ، وأما غلبة النقدية في موجوداتها لفترة من الفترات فهي أمر عارض ولا يعد ذلك من نشاطها المقصود.

رابعاً- وعلى فرض التسليم بأن النقد الذي في الشركة مقصود وأن بيع الأسهم له حكم بيع موجوداتها فإن صورة هذه المعاملة كمسألة " مد عجوة ودرهم " وهي : بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسهما ، وكل من الربويين مقصود في العقد ، وبيان ذلك أن الأسهم مؤلفة من :

1. النقد ، وهو بالريالات .

2. والأموال الأخرى من حقوقٍ وأعيانٍ ومنافع .

والثمن من الريالات ، فالريالات في طرفي العقد مقصودة ، ومع أحد الطرفين مالٌ غير ربوي .

والذي ترجح من الخلاف السابق في مسألة " مد عجوة ودرهم" - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن الإمام أحمد - أن العقد يصح بشرطين :

الأول :أن يكون المال الربوي المفرد أكثر من الذي معه غيره .

والثاني : ألا يكون القصد من المعاملة التحايل على الربا وذلك بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية ، ولم يؤت به للتحليل.

وكلا الشرطين متحققٌ في بيع هذه الأسهم ، فإنها تباع بقيمتها السوقية وهي أعلى من القيمة الاسمية التي تم الاكتتاب بها ، كما أن الموجودات الأخرى غير النقدية في الشركة ذات قيمة حقيقية ولم يؤت بها حيلة .

وقد يرد على هذا التخريج أن الأصول العينية للشركة عند بدء التداول لا تمثل شيئاً مقارنة بالنقدية التي فيها .

والجواب عن ذلك : أن المقصود بالموجودات الأخرى غير النقدية أعم من أن يكون أعياناً فقط ، فقد تكون أعياناً أو منافع أو حقوقاً ، فكل ما يؤثر في القيمة السوقية للسهم – إذا كان له قيمة معتبرة شرعاً- فتحمل الزيادة في قيمة السهم على أنها مقابله ، ونظير ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم من جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة ، وهي منفعة وليست عيناً ،والله أعلم.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢٨٤