2-ومنه ما رواه ثوبان _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والدين والغلول"(65).
فإذا تأمل هذه النصوص ورأى أنه لا مفر من الدين ولم يكن دينه فيما يكره الله، فلا بأس بالدين حينئذ، فقد روى عبدالله بن جعفر _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن دينه فيما يكره الله"(66). وقال _صلى الله عليه وسلم_:"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله"(67).
وبعد الاستدانة عليه أن يكثر من الأدعية التي وردت فيمن عليه دين، فمن ذلك ما رواه علي _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير دينا أداه الله عنك؟ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك"(68)، ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه_قال: "دخل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: ففعلت، فأذهب الله همي وقضى عني ديني"(69).
توثيق العقود:
يخطئ الكثير من الناس حينما يجرون بعض العقود دون كتابة أو شهادة، ولو وثق الناس ديونهم ومعاملاتهم بالكتابة والشهادة لارتاح القضاة في المحاكم من كثير من القضايا، ومن المتقرر أن من مقاصد الشرع الحرص على كل ما يجمع كلمة المسلمين والأمر به والمنع من كل ما يسبب الفرقة والشحناء بينهم ولهذا فإننا نجد أن أطول آية في متاب الله تعالج مشكلة عدم توثيق العقود، فقد قال _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ..." (البقرة: من الآية282)، وفيها الأمر بكتابة الدين وأجل ذلك الدين، ثم قال: "فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ..." (البقرة: من الآية282) وفيها أن من عليه الدين هو الذي يكتب إقرارا بالدين أو يملي إن لم يكن كاتبا، ثم قال: "وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا" (البقرة: من الآية282) وفيها أن الدين ولو قل فإن من الحكمة أن يكتب، وأن الحكمة من ذلك أن الكتابة من القسط والحكمة التي أمر الله بها وأنها تدفع الريبة والخطأ الذي يسبب ضياع الحقوق ومن ثم يسبب الشحناء، ثم أكد الأمر بالشهادة فقال: "وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ" (البقرة: من الآية282)(70).
والجمهور على أن هذه الأوامر للاستحباب لما ثبت أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ اشترى من جابر جملا فلم يشهد عليه، قالوا: ولأن الأمر للإرشاد. واختار ابن حزم الوجوب لظاهر الأمر. ولحديث أبي موسى _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ثلاثة يدعون الله _عز وجل_ فلا يستجاب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه ورجل آتى سفيها ماله وقد قال الله _تعالى_: "وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ" (النساء: من الآية5)"(71).
ومن العجيب أن البعض يتساهل في هذا الأمر معللين بأن الثقة موجودة، مع أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ اشترى من أحد أصحابه وكتب كتابا في ذلك،فعن العداء بن خالد _رضي الله عنه_في قصة شرائه _صلى الله عليه وسلم_ منه وأنه كتب كتابا بذلك جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ، اشترى منه عبدا أو أمة على ألا داء ولا غائلة ولا خُبثة، بيع المسلم للمسلم"(72).