تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا شك أن الكثير من الناس يعانون من عدم كفاية مرتباتهم مع أنها ليست قليلة والسبب الرئيس في ذلك عدم القدرة على الاقتصاد في المعيشة، وقد ورد أن الاقتصاد في حال الغنى فضلا عن حال الفقر من أسباب النجاة، فقد ثبت في الحديث: "ثلاث منجيات: القصد في الفقر والغنى..."(52). قال ميمون بن مهران: "اقتصادك في المعيشة يلقي عنك نصف المؤونة"(53).

أهمية الصيانة:

من المعلوم أن العمر الافتراضي لأي آلة أو مبنى أو ملبوس يتأثر بطريقة الاستخدام ومدى الاهتمام بالصيانة، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقل شيء مع الإصلاح ولا يبقى شيء مع الفساد"(54).

وأنشد الإمام أحمد:

قليل المال تصلحه فيبقى *** ولا يبقى الكثير مع الفساد(55)

بعد النظر للمستقبل:

إن بعد النظر للمستقبل وأخذ الحذر من الحوادث غير المتوقعة دليل على حصافة الرجل وحسن تدبيره، وقد روى عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم"(56).

ورد الحث على العمل ولو لم يكن العامل سيستفيد من هذا العمل في القريب العاجل بل ربما لا يستفيد منه إلا الجيل القادم،حتى إنه ورد عن أنس بن مالك _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن قامت على أحدكم القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"(57).

وقال عمر بن الحطاب _رضي الله عنه_ لخزيمة بن ثابت _رضي الله عنه_: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال خزيمة: أنا شيخ كبير أموت غدا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها(58).

وقال الحارث النخعي: رجعنا من القادسية فكان أحدنا يُنتَج فرسه من الليل، فإذا أصبح نحر مهرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إلينا: أن أصلحوا ما رزقكم الله فإن الأمر نَفَس" أي: سعة(59).

وذكر بعض الإخباريين أن أحد الخلفاء مر على شيخ يغرس شجرة زيتون، فتعجب الخليفة وقال: كيف تغرس هذه الشجرة مع علمك أنها لا تثمر إلا بعد سنوات طويلة ومن البعيد أن تدرك ذلك، فقال الشيخ: زرع آباؤنا فأكلنا ونزرع ليأكل أبناؤنا.

الاستفادة من النفايات:

بدأت الدعوات من المتخصصين في المحافظة على البيئة والاقتصاديين إلى ضرورة تدوير النفايات والاستفادة من الصالح منها، وقد ورد مثل ذلك عن سلفنا الصالح ، فقد روى ابن قتيبة عن الأصمعي أن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_لقط نويات من الطريق فأمسكها بيده حتى مر بدار قوم فألقاها فيه وقال: "تأكله داجنتهم"(60).

ورأى أبو الدرداء _رضي الله عنه_حبًّا منثورا في غرفة له فالتقطه وقال:"من فقه الرجل رفقه في معيشته"(61).

وتصدقت عائشة بحبة عنب، وقالت لنسوة عندها: "هذا أثقل من مثاقيل ذر كثيرة" وذكر مثل ذلك عن عبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم(62).

أهمية التكافل والاشتراك:

صح في الحديث أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم"(63).

ومن صور التكافل العارية، وقد ذم الله قوما بمنعهم إعارة ما عندهم من ماعون ونحوه فقال: "وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" (الماعون:7).

التشديد في الدين:

فإن احتاج أحد إلى المال بعد كل ما سبق من الإرشادات الشرعية لاتقاء شبح الفقر والحاجة؛ فهل يستعجل في الدَّين؟، لا، بل عليه أن يفكر كثيرا قبل الإقدام على هذا الأمر، فقد وردت النصوص في التشديد في أمر الدين فمن ذلك:

1-ما رواه محمد بن جحش _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه"(64).

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢٦٩