إن كلام المانعين غير مسلم لأن التيسير موافق لاتجاه الشريعة وخصوصاً في المعاملات التي قرر المحققون من العلماء أن الأصل فيها الأذن إلا ما جاء نص صريح بمنعه فيوقف عنده فمن يسر فهو في خط الشريعة واتجاه سيرها وهو ممتثل للتوجيه النبوي الكريم "يسروا ولا تعسروا" وأنه إذا وجد رأيان في المسألة الواحدة أحدهما أحوط والآخر أيسر فإننا نؤثر أن نفتي الناس بالأيسر ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما(2).
وبيع المرابحة للآمر بالشراء عند القائلين بجوازه يعتمد على إجتهادات لأهل العلم وأدلتهم وجيهة وقوية ويترتب على القول بالجواز مصلحة ظاهرة وهذا من التيسير المشروع الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
4- إن قول المانعين بأن هذه المعاملة داخلة في بيع العينة غير مسلم لأن العينة التي ورد النهي عنها هي: أن يبيع شيئا الى غيره بثمن معين (مئة وعشرين دينارا مثلا). إلى اجل (سنة مثلا) ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر (مئة مثلا) يدفعه نقداً فالنتيجة أنه سلمه مئة ليتسلمها عند الأجل مئة وعشرين(3) "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيع المرابحة د القرضاوي ص 100.
(2) بيع المرابحة د القرضاوي ص 115/116.
(3) بيع المرابحة د القرضاوي ص 45.
ومن المؤكد أن صورة المعاملة التي سميت "بيع المرابحة" والتي تجريها المصارف الاسلامية والتي أفتت فيها هيئات الرقابة(2) الشرعية بالجواز - ليست من هذه الصورة الممنوعة في شيء. إذ من الواضح أن العميل الذي يجيء الى المصرف طالباً شراء سلعة معينة يريد هذه السلعة بالفعل، كالطبيب الذي يريد أجهزة لمستشفاه، أو صاحب المصنع الذي يريد ماكينات لمصنعه وغير هذا وذاك حتى إنهم ليحددون مواصفات السلعة (بالكتالوج) ويحددون مصادر صنعها أو بيعها.. فالسلعة مطلوب شراؤها لهم بيقين. والمصرف يشتريها بالفعل، ويساوم عليها، وقد يشتريها بثمن أقل
مما طلبه العميل ورضي به، كما حدث هذا بالفعل، ثم يبيعها للعميل الذي طلب الشراء ووعد به، كما يفعل أي تاجر، فإن التاجر يشتري ليبيع لغيره، وقد يشتري سلعاً معينة بناء على طلب بعض عملائه. وإذن يكون إدعاء أن هذا النوع من البيع هو من العينة التي شرحها إبن القيم رحمه الله والتي لا يقصد فيها بيع ولا شراء، ،إدعاء مرفوضاً ولا دليل عليه من الواقع(1).
5- إن قول المانعين بأن هذه المعاملة تقع ضمن بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عندك قول فيه نظر، لأن المصارف الاسلامية التي تتعامل ببيع المرابحة للآمر بالشراء لا تقع في النهي الوارد عن بيع ما ليس عند الانسان لأنها غالباً تعتمد نموذجين أحدهما للمواعدة والآخر للمرابحة فهي توقع مع العميل على نموذج المواعدة أولاً وبعد ذلك يقوم المصرف بشراء السلعة الموصوفة ثم بيعها للعميل ويوقع مع العميل النموذج الثاني وهو عقد بيع المرابحة وفق الشروط المتفق عليها في المواعدة(2) والمواعدة الحاصلة بين المصرف وطالب الشراء ليست بيعاً ولا شراء وانما مجرد وعد لازم للطرفين.
1- بيع المرابحة للقرضاوي ص 46-47.
2- بيع المرابحة أحمد ملحم ص 196.
المطلب الثاني : بيان القول الراجح:
بعد النظر في أدلة الفريقين والاعتراضات التي أوردت على تلك الأدلة والردود عليها يظهر لي رجحان قول المجيزين لبيع المرابحة للآمر بالشراء مع الإلزام بالوعد لكل من المصرف والعميل وأنه عقد صحيح يتفق مع القواعد العامة للعقود في الشريعة الاسلامية. لا سيما مع وجود الفتاوي الصادرة من المجامع الفقهية كما سيأتي .
الباب الثالث : الفتاوى الصادرة بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء: