الحالة الثانية: ما هو منتشر الآن من قيام شركات على نظم قانونية بحتة، لاتحل حلالاً ولا تحرم حراماً، تتعامل بالربا، وتقترض بالربا، وتأخذ الأرباح الربوية، فتسجل تحت بند (أرباح بنكية)، أو يقال: (أرباح أخرى)، فمتى عُرف هذا عن أي شركة من الشركات فإنه يحرم المساهمة فيها أياً كانت نسبة الربا؛ لأن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) [البقرة:278]، و(ما) من ألفاظ العموم. وقال صلى الله عليه وسلم: (وكل ربا موضوع تحت قدمي هاتين). و(كل) أيضاً من ألفاظ العموم، فيدخل في ذلك الربا بكل صوره وأشكاله ونسبه؛ فهو حرام بتحريم الله تعالى له وتحريم رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تفريق بين نسبة وأخرى منه.
والشركات القائمة الآن منها ما هي صريحة في تعاملها بالربا، فهذه لا يجوز الدخول في أسهمها؛ لا مساهمة، ولا بيعاً، ولا شراءً، ولا تداولاً، ولا تورقاً.
ومنها شركات لا تأخذ الربا والفوائد البنكية، لكنها تعطيها؛ حيث تقترض من البنوك لحاجتها إلى المال وتدفع لهم فوائد ربوية، ولاشك أنها كالمعطي له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الآخذ والمعطي فيه سواء)، ولا أظن شركة تسلم من هذا النوع، فلو لم تكن آخذة للربا فهي معطية له.
سادساً: مفاسد مترتبة على المساهمة في شركات الأسهم:
هناك مفاسد عظيمة مترتبة على هذا النوع من أنواع الشركات، وهذه المفاسد منها ما هو متعلق بالشركات نفسها، ومنها ما هو متعلق بالمساهمين.. وهاكها فيما يلي:
1- إن تجارة الأسهم يعتريها الكذب والمخادعة والجهالة بالحال، فقد يعلن عن أسعار بعض أسهم الشركات بسعر وهي لم تصل إلى ذلك؛ لإغراء الناس بالشراء، ولا تكاد تستقر الأمور حتى يتراجع المؤشر.. وهكذا، فهناك لعبة يمارسها المتنفذون مع الهوامير في تجارة الأسهم، فإذا أرادوا بيع الأسهم رفعوا الأسعار، وإذا أرادوا الشراء خفضوا أسعارها، وجمهرة المشاركين هم المتضرر الحقيقي في هذه اللعبة القذرة وهم لا يعلمون!!
2- ومن العجيب أنه قد تخسر شركة من الشركات إلى حد الإفلاس، وإذا بها تعلن عن أسهم للمشاركين، فإذا بها ترد خسارتها؛ بل وأكثر من ذلك، حتى إن شركة مشهورة بلغت خسارتها أكثر من سبعمائة مليون ريال، وكانت الفكرة -بدلاً من إعلان الإفلاس- طرحها مساهمة، فأقبل الناس عليها لشهرتها، فغطت العجز وزاد ميزان الفائض!! وفي هذا مخادعة وكذب، وأكل لأموال الناس بالباطل.
بل إن بعض الشركات أعلنت عن تكبدها خسائر فادحة، ثم طرحت أسهماً، فتنافس الناس عليها!!
3- والأعجب من هذا كله أنك لا تكاد تسمع بمساهمة إلا وانكب الناس عليها دون دراسة لجدواها، أو معرفة لكيفية ممارستها، والكثرة الكاثرة من المساهمين يقترضون بالآجل، فيشترون الأسهم بزيادة ويبيعونها بخسارة كبيرة؛ للحصول على المال من أجل المضاربة في الأسهم، وبعضهم يبيع منزله أو سيارته ويغامر بماله، فربما ربح (وقليل ما هم)، ومثل هؤلاء يمدحون المتاجرة بالأسهم؛ لأنه لا يمدح السوق إلا من ربح فيه!
والكثرة الكاثرة إما أن يخسروا، أو يربحوا ربحاً زهيداً، فمثلاً: تجد قيمة السهم في بعض الشركات بمبلغ ألف وستمائة ريال، وعند توزيع الأرباح السنوية قد لا يحصل المساهم إلا على بضعة عشر ريالاً لمدة عام أو أكثر، فهل هذا معقول؟!!
4- ومن المفاسد: أن بعض الشركات تبدأ في بيع وشراء الأسهم وهي لم تقمْ بعدُ على وجه الواقع، فهذا بيع وشراءٌ للمال بالمال، وهو حرام بالاتفاق.
5- مما لاشك فيه أن طرح أسهم الشركات للاكتتاب من أعظم ما أشغل الناس حتى عن أداء الواجبات، فمنهم من أشغلته عن الصلاة، أو استولت على فكره فلا يدري كم صلى إمامه !