تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثالثاً : هذه النقود هي الغالب في موجودات الشركة فكيف يكون غالب السلعة ليس مقصوداً ؟

رابعاً : عندما تحدث الفقهاء عن قاعدة (التابع تابع) ذكروا من أمثلتها :جلد الحيوان، والجفن والحمائل للسيف, ونحوها.

فهل نسبة الأموال النقدية للشركة كنسبة الحمائل للسيف؟ إن في التسوية بينهما بعداً لا يخفى.

خامساً : المساهم الذي يشتري السهم يقصده كله بنقده وموجوداته الأخرى غير النقدية كالموجودات العينية, والحقوق المعنوية ونحوها.

فإن قيل إنه لا يقصد النقد ولا يخطر بباله

فالجواب أنه لا يقصد أيضا الموجودات الأخرى غير النقدية، وهذا يدل على أنه يقصد سهم الشركة بموجوداته جملة من غير تعيين(1) .

وكون الشركة في الأصل تريد استثمار هذه النقود في المستقبل، لا ينفي أن ننظر إليها الآن(2) باعتبار حقيقتها، وهي أنها نقود وأعيان؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً و عدماً.

فإذا ثبت أن أسهم الشركات حديثة التأسيس تشتمل على أموال وأعيان كلاهما مقصود صارت هذه المسألة تدخل في مسألة "مد عجوة ودرهم" التي ذكرها الفقهاء.

ولا أريد هنا الإطالة بذكر الخلاف مع الأدلة والترجيح في هذه المسألة، ، إنما سأذكر الأقوال فقط ثم أذكر بعد ذلك حكم مسألتنا.

وقد اختلف فيها الفقهاء على ثلاثة أقوال :

القول الأول : لا يجوز بيع الربوي بجنسه، ومع إحداهما، أو معهما، من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم بمدين، أو بدرهمين، أو بمد ودرهم، وهذا قول جماهير أهل العلم(3).

القول الثاني : يجوز إن لم يكن الذي معه مقصوداً، كالسيف المحلى(4)،وهو رواية لأحمد، وأحد قولي شيخ الإسلام، واختارها ابن قاضي الجبل(5).

القول الثالث : يجوز بشرط ألا يكون حيلة على الربا، وأن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، وهو مذهب الأحناف، وحماد بن أبي سليمان، ورواية لأحمد، وأحد قولي شيخ الإسلام(6)، ولهذا القول شرط آخر سيأتي تفصيله.

فإذا عرفت الأقوال في هذه المسألة فأقول:

على القول الأول لا يجوز تداول أسهم الشركات حديثة التأسيس لعدم جواز بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسهما.

وعلى القول الثاني أيضاً لا يجوز تداول هذه الأسهم، باعتبار أن النقد الذي فيها مقصود، على ما سبق بيانه .

وإنما يتصور الجواز على القول الثالث فقط.

والصواب أنه لا يجوز تداول أسهم هذه الشركات، حتى على القول الثالث؛ لأن لهذا القول شرطاً يمنع من الجواز.

ذلك؛ لأن الفقهاء الذين أخذوا بالقول الثالث إنما يجيزون بيع الربوي بجنسه، ومعه من غير جنسه إذا كان المفرد أكثر بشرط وهو المقابلة.

ومعنى المقابلة تقسيم الثمن على المثمن، فمثلاً إذا باع درهمين بدرهم ومد، فإن المد مقابل الدرهم والدرهم مقابل الدرهم.

قال حرب: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفياً ودرهماً وأخذت ديناراً شامياً وزنهما سواء، قال : لا يجوز إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة (7).

وذكر شيخ الإسلام أن الفضة إذا كان معها نحاس وبيعت بفضة خالصة "والفضة المقرونة بالنحاس أقل، فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلا من الدراهم الخالصة فالفضة التي في المائة أقل من سبعين، فإذا جعل زيادة الفضة بإزاء النحاس جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوزون مسألة " مد عجوة "، كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين" (8) .

ولزيادة الإيضاح أنقل كلاماً نفيساً للحافظ ابن رجب، حول حكم مسألة مد عجوة ودرهم، قال ابن رجب:

"ومنها مسألة مد عجوة وهي قاعدة عظيمة بنفسها فلنذكر هاهنا مضمونها ملخصا:

إذا باع ربوياً بجنسه ومعه من غير جنسه من الطرفين أو أحدهما كمد عجوة ودرهم بمد عجوة أو مد عجوة ودرهم بمدي عجوة أو بدرهمين ففيه روايتان أشهرهما بطلان العقد وله مأخذان:

أحدهما: وهو مسلك القاضي وأصحابه أن الصفقة إذا اشتملت على شيئين مختلفي القيمة يقسط الثمن على قيمتهما وهذا يؤدي هاهنا إما إلى يقين التفاضل وإما إلى الجهل بالتساوي وكلاهما مبطل للعقد في أموال الربا. وبيان ذلك : أنه إذا باع مدا يساوي درهمين ودرهما بمدين يساويان ثلاثة دراهم كان الدرهم في مقابلة ثلثي مد ويبقى مد في مقابلة مد وثلث ذلك ربا وكذلك إذا باع مدا يساوي درهما ودرهمين بمدين يساوين ثلاثة دراهم فإنه يتقابل الدرهمان بمد وثلث مد ويبقى ثلثا مد في مقابلة مد , وأما إن فرض التساوي كمد يساوي درهما , ودرهم بمد يساوي درهما ودرهم فإن التقويم ظن وتخمين فلا يتيقن معه المساواة والجهل بالتساوي هاهنا كالعلم بالتفاضل فلو فرض أن المدين من شجرة واحدة أو من زرع واحد وإن الدرهمين من نقد واحد ففيه وجهان ذكرهما القاضي في خلافه احتمالين :

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٠٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٠٩٢