رحماكَ يا إلهي!! هذا المجاهدُ في سبيلك، البائعُ نفسهُ لمرضاتك, تدفعهُ نفسُهُ الأمارةُ بسرقةِ شيءٍ زهيد، قد يكونُ مستحقاً لأعظم منهُ لو صبر حتى القسمة، ثُمَّ يلتهبُ عليه ما اختلسهُ ناراً تلظى, رحماكَ يا الله ! فكيف يكونُ حالُ العبادِ المقصرين في طاعتك، السادرين في غيِّهم وضلالهم ، السارقينَ لأعظم من ذلك أو أحقرَ منه، وهذا مجاهدٌ آخر اختلسَ من بيتِ المال, فانظروا إلى مصيرهِ ونهايته! عن عبد الله بن عمرو بن العاص- t قال: كان في بيتِ المالِ رجلٌ يُقالُ له: كركرة فمات، فقال النبي r: (( هو في النارِ، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها )) (4) رواه البخاري ،
وعن خالد بن زيدٍ الجهني، أنّ رجلا قُتلَ في غزوةِ خيبر, فامتنعَ النبيُّ- عليه الصلاة والسلام- من الصلاةِ عليه وقال: (( إنّ صاحبكم قد غلَّ، قال: ففتشنا متاعهُ فوجدنا خرزاً من خرزِ اليهود, لا يساوي درهمين )) (5).
سبحان الله, رسولُ الله r يمتنعُ عن الصلاةِ على رجلٍ مسلمٍ مُجاهد, اختلس من بيتِ المالِ ما يساوي درهمين, فكيف بمن يسرقون الألوفَ المؤلفةِ والملايين المكدسة، إنّ في ذلك لذكرى لمن كان لهُ قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، ويدخلُ في الغلو لِ كذلك، هدايا الموظفين، التي يهديها إليهم أولئك المتعهدون, من أصحاب المصانعِ والمؤسسات, باسم الدعايةِ, أو التكريم, أو الصداقة،
عن أبي حُميدٍ الساعد ي- t- قال : (( استعمل رسول الله r رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم ، يُدعى ابن اللتبيه، فلما جاءَ يحاسبه قال : هذا مالكم وهذا أُهدي إلي، فقال رسولُ الله r : فهلاَّ جلست في بيتِ أبيك وأمِّك, حتى تأتيك هديتك إن كنتَ صادقاً؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أمَّا بعد, فإنِّي استعمل الرجلَ منكم على العمل, ممَّا ولا ني اللهُ، فيأتيني فيقولُ, هذا مالكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، أفلا جلسَ في بيتِ أبيه وأمه, حتى تأتيه هديته, إن كان صادقاً ؟ واللهِ لا يأخذُ أحداٌ منكم منها شيئاً, بغيرِ حقِّه, إلا لقيَ اللهُ تعالى يحملهُ يوم القيامة فلا أعرفنَّ أحداً منكم لقي الله يحملُ بعيراً لهُ رغاء، أو بقرةً لها خوار, أو شاةً تيعر، ثم رفعَ يديه, حتى رؤي بياض إبطيه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني )) (6) أخرجه مسلم. وفي صحيح مسلم كذلك: من حديثِ عدي بن عميرة الكندي قال, سمعتُ رسولَ الله r يقول : (( من استعملناهُ منكم على عملٍ, فكتمنَا مخيطاً فما فوق, كان غلولاً يأتي به يوم القيامة، قال: فقامَ إليه رجلٌ أسودٌ من الأنصار، كأني انظرُ إليه, فقال: يا رسول الله اقبل عنِّى عملك- وبالتعبير المعاصر, اقبل استقالتي من العمل- قال رسول الله r ومالك؟ قال: سمعتك تقولُ كذا وكذا قال- عليه الصلاة والسلام-: وأنا أقولهُ الآن: من استعملناهُ منكم على عملٍ, فليجئ بقليله وكثيرة )) (7) .
ويدخلُ في السرقةِ من بيتِ المالِ كذلك: ما يتقاضاهُ بعضُ الموظفينَ باسمِ خارج الدوام أو الانتداب، من غيرِ أن يقوموا بالمهمةِ فعلاً، وإنَّما تُدرج أسماؤُهم في مسيراتِ الرواتب, وهم جالسون في بيوتهم، وبعضُ الموظفين يتغيبُ عن عملهِ اليوم واليومين والثلاثة بلا عذرٍ شرعي, أو لا يستكملُ ساعاتِ الدوامِ الرسمي, فيعتادُ الخروجَ لقضاءِ مشاغلهِ الخاصة, معطلاً بذلكَ مصالحَ الناس، وحاجاتِ المراجعين, وهو مع ذلكَ كلهِ لا يتورعُ عن استلامِ مرتبه كاملاً غيرَ منقوص, وصدقَ اللهُ إذ يقول: (( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )) ]المطففين:1-6[ وقد يتعذرُ بعضُ أولئك الموظفين بأنّ رؤسائهُ يتغيبون عن العملِ، ونسي أولئكَ المساكين قوله تعالى : (( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )) ]المدثر:38[ .