تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن مظاهر الشرك التي ذاعت وشاعت في ديار المسلمين هذه القبور والأضرحة والمزارات التي تُقصدُ وتعبد وتدعى وترجى وتخشى من دون الله تعالى ، ويُتمسَّحُ بأركانها ، وتُقبلُ جدرانها ، ويعكف الناس عليها باكين داعين متضرعين ، فتراهم ـ ويا للأسف ـ حول القبر ركعاً سجداً ، يبتغون من الميت فضلاً ورضواناً ، ولمصائبهم عِوضاً وسلواناً ، وهم ـ ويا للحسرة ـ قد ملؤوا أكفَّهم خيبةً وخسراناً ، وذلَّةً وخذلاناً . قال تعالى :﴿ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ﴾7

فإن تعجب ! فعجبٌ قولهم ، وغفلتهم عن ربهم وخالقهم ومولاهم الذي بيده مقاليد الأمور ، وتصريف الأحوال ، وتقدير ما كان ، وما سيكون ، وأمره بين (الكاف ) و (النون ) ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾8

وتعلَّقت قلوبهم بأمواتٍ مرتهنين بأعمالهم ، مجزيين بأفعالهم ، قد أفضوا إلى ما قدَّموا ، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً . قال تعالى :﴿ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الضالمين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلاّ هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ﴾9

فتأمل ـ زادنا الله وإيّاك بصيرة وهدى ـ كيف تُصرف العبادة التي لا يجوز صرفها إلاَّ لله تعالى لهذه القبور والأضرحة ، فترى صور الصلاة إليها ، والعكوف عليها ،والطواف بها ، وتقبيلها واستلامها ، وتعفير الخدود على ترابها ، وعبادة أصحابها ، والاستغاثة بهم ، وسؤالهم النصر والظفر ، والعافية في الجسد ، والبركة في الولد ، والأمن في البلد ، وقضاء الديون ، وتسلية المحزون ، وتفريج الكربات ، وإغاثة اللهفات ، وإغناء ذوي الفاقات والحاجات ، ومعافاة أولي العاهات والبليَّات ...

نسوا الله ، فنسيهم ، ودعوا غيره ، فتركهم ، وأوكلهم إلى أنفسهم ، فباؤا بخسرانٍ عظيم ، قال تعالى :﴿ .....قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هنَّ كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هنَّ ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ﴾10

احفظ الله .. في شعائره .

ومن أعظمها وأجلِّها شعيرة الصلاة ، فإنها الفيصل بين الإسلام والكفر ، وأداؤها علامةُ الهداية ، وتركها علامة الضلال والغواية ، فهي الصلة بين العبد وربِّه ، فإذا تركت انقطعت الصلة ، ولا يبالي الله في أي وادٍ هلك تاركها .

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة "11

وعن بريدة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر " 12

وقد توعَّد الله تعالى من تهاون في أدائها فأنقص من خشوعها ، وضيَّع من أركانها وواجباتها ، وأخرجها عن وقتها ـ مع أدائه لها ـ بالويل ! ، وهو شديد العقاب وأليم العذاب . قال تعالى : ﴿ فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾13.

فما بالك بمن تركها وهجرها وأصبح لا يؤديها إلاَّ في الجُمع والمناسبات ؟!!

قال تعالى عن المجرمين : " ﴿ ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين ﴾14

وهي ـ أيها الحبيب ـ أوَّل ما يُسأل العبد عليه من عمله يوم القيامة ، فإن صَلُحت وقُبلت ، فقد أفلح وأنجح ، وكانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة ، ومن تهاون في أدائها وضيَّعها ، فلم يقم بها كما أمر الله تعالى فقد خاب وخسر ، وحشر مع هامان وفرعون وقارون وأميَّة بن خلف ، وهو في الآخرة من المقبوحين !

قال تعالى :﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ﴾15

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٠٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٠٢٩