الدليل الأول:
الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، والأمانات، وتحريم أكل المال بالباطل، ومن ذلك:
قوله _تعالى_: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (85).
وقوله _تعالى_: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (86).
وقوله _تعالى_: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ" (87).
وجه الدلالة من هذه الآيات:
دلت الآيات على وجوب الوفاء بالعقد، وأداء الأمانة، وتحريم أكل المال بالباطل، وتأخير الوفاء عن ميعاده دون رضا صاحبه يعد من أكل المال أو منفعته بالباطل، وعليه فيكون المتخلف ظالماً لصاحب المال، ومسؤولاً عن الضرر الذي يلحقه من جراء مماطلته، فيضمن منفعة ماله تلك المدة (88).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالآيات من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
أن مدلول هذه الآيات خارج عن محل النزاع، وهو التعويض عن منافع المال الفائتة بالمماطلة.
الوجه الثاني:
عدم تسليم كون التأخير في أداء الدَّين أكلاً لمنفعة المال بغير حق خلال تلك المدة التي ماطل فيها المدين؛ لأن قابلية النقود للزيادة أمر محتمل، فلا تعد منفعة محققة الوجود قد أكلها المدين المماطل عدواناً حتى يطالب بالتعويض المالي عنها (89).
الوجه الثالث:
أن اعتبار المدين المماطل بغير عذر ظالماً معتدياً أمر مسلم لا خلاف فيه لنص الحديث على ذلك، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، إلا أنه ليس كل ضرر يلحقُهُ الإنسانُ بغيره ظلماً يعد موجباً للتعويض المالي(90).
الدليل الثاني:
ما ورد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: " لا ضرر ولا ضرار "(91).
وجه الدلالة من الحديث:
دل الحديث على تحريم الضرر ووجوب إزالته، والضرر الواقع على الدائن لا يزول إلا بتعويضه مالياً عما فاته من منافع ماله خلال مدة المماطلة، بل إن معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً، فلا يرتفع ضرره إلا بذلك (92).
المناقشة:
نوقش الاستدلال بهذا الحديث من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
تسليم تحريم الضرر ووجوب إزالته بالطرق الشرعية، لكن من أين لكم أن زوال الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي؟؛ إذ إن إزالة هذا الضرر بالتعويض المالي ليس من مدلول النص صراحة ولا إشارة، ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض زيادة مالية تضاف لأصل الدَّين تعويضاً له عن ضرر فوات ربحه خلال مدة المماطلة لوجب الحكم بها، و لوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بالتعويض المالي، ولكن لم يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة في الديون في كل عصر ومصر (93).
الوجه الثاني:
أن ضرر الدائن المعترف به شرعاً هو عدم حصوله على ماله في وقته المحدد، وإزالة هذا الضرر بأن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه أخذه ما يزيد عن مبلغ دينه؛ لأنه ربا (94).
الوجه الثالث:
أن من فروع القاعدة الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: ( الضرر يزال ) قاعدة مقيِّدة لها، وهي: ( أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه)، وفي إلزام المدين المماطل بالتعويض المالي إزالة للضرر بمثل الضرر الواقع بل أشد؛ إذ يفرض عليه الربا، وتُنَزَّل المنفعة المحتملة منزل المحققة المستوفاة، فهو مقابلة لظلم المطل بظلم من نوع آخر(95).
الوجه الرابع:
قولكم: "معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً "، لا يعني جواز الحكم بالتعويض؛ لأن هذه المسألة -أي عقوبة المماطل- لا تعالجها أصلاً قاعدة الجوابر؛ لخروجها عن نطاقها، وانضوائها تحت قاعدة الزواجر، التي تكفل دفع هذه المفسدة واستئصالها من حياة الناس، والعقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فالسارق إذا قطعت يده، أو المحارب إذا أقيم عليه حد الحرابة، فإن هذه العقوبات لا تزيل الضرر المادي عن المتضرر المظلوم؛ لأن من شأن العقوبات زجر الناس عن الظلم، ومنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءاً للمفسدة المتوقعة(96).