قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
. هو بيان للرؤية الإيمانية في النفس المؤمنة.. فالإنسان حينما يؤمن، لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية.. حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم ينعمون.. وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه.. وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون. ذات يوم
" شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته وكان اسمه الحارث.. فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا قال الرسول: فانظر ما تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟ قال الحارث: عزفت نفسي عن الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. يتصايحون فيها. قال النبي " يا حارث عرفت فالزم "
ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة للطعن في القرآن الكريم.. فقوله تعالى:
ألم تر
[الفيل: 1].. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل.. إنه لم ير لأنه كان طفلا عمره أيام أو شهور، لو قال الله سبحانه وتعالى ألم تعلم لقلنا علم من غيره.. فالعلم تحصل عليه أنت أو يعطيه لك من علمه.. أي يعلمك غيرك من البشر.. ولكن الله سبحانه وتعالى قال:
ألم تر
[الفيل: 1].. نقول إن هذه قضية من قضايا الإيمان.. فما يقوله الله سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن.. فالقرآن هو كلام متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة.. وقول الله:
ألم تر
[الفيل: 1].. معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية.. فما دام الله تبارك وتعالى قال:
ألم تر
[الفيل: 1].. فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه.. هذه هي الرؤية الإيمانية، وهي أصدق من رؤية العين.. لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا.. على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب.. إذا قلت زيد حضر.. فهو موجود أمامك.. ولكن إذا قلت قابلت زيدا.. فكأن زيدا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة.. قابلته ولكنه ليس موجودا معك ساعة الحديث. إذن، فهناك حاضر وغائب ومتكلم.. الغائب هو من ليس موجودا أو لا نراه وقت الحديث.. والحاضر هو الموجود وقت الحديث.. والمتكلم هو الذي يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الإيمان بما هو غيب عنا يعطينا الرؤية الإيمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر. فالله سبحانه وتعالى حين يقول
الحمد لله رب العالمين
[الفاتحة: 2].. ﴿ لله ﴾ غيب و
رب العالمين
[الفاتحة: 2] غيب.. و
الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 3].. " غيب ".. و ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4] غيب.. وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله سبحانه وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر.. وقال: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب، فلم يقل إياه نعبد، ولكنه قال: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5].. فأصبحت رؤية يقين إيماني.
فأنت في حضرة الله سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك لأنه
رب العالمين
[الفاتحة: 2].. وجعلك تطمئن إلى قضائه لأنه
الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 3]أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية
الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 3] فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها. فاحذر من مخالفة منهجه لأنه " مالك يوم الدين ". حين يستحضر الحق سبحانه وتعالى ذاته بكل هذه الصفات.. التي فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية.. والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت من صفات الغيب إلى محضر الشهود.. استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات رحمته.. ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة. عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] فالعبارة هنا تفيد الخصوصية.. بمعنى أنني إذا قلت لإنسان إنني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من الناس. ولكن إذا قلت إياك سأقابل.. فمعنى ذلك أن المقابلة ستكون خاصة. الحق سبحانه وتعالى حين قال: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] قصر العبادة على ذاته الكريمة.. لأنه لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى نفسه لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن إذا قلت ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] وقدمت إياك.. تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة لله وحده فلا يجوز العطف عليها.. فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه افعل ولا تفعل.. ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع لله.. لأنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع القدم. فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله.. ويتم هذا أمام الناس جميعا في الصلاة. لإعلان خضوعك لله أمام البشر جميعا. ويستوي في العبودية الغني والفقير والكبير والصغير.. حتى يطرد كل منا الكبر والاستعداء من قلبه أمام الناس جميعا فيساوي الحق جل جلاله بين عباده في الخضوع له وفي إعلان هذا الخضوع. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] تنفي العبودية لغير الله.. أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا.. إذن ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا إله غيره ولا معبود سواه.. وعلينا أن نلتفت إلى قوله تبارك وتعالى: