. ثم ضرب تعالى مثلا لمن طغى وبغى، ولم يطهر نفسه من دنس الكفر والعصيان، فذكر ﴿ ثمود ﴾ قوم صالح عليه السلام فقال ﴿ كذبت ثمود بطغواهآ ﴾ أي كذبت ثمود نبيها بسبب طغيانها ﴿ إذ انبعث أشقاها ﴾ أي حين انطلق أشقى القوم بسرعة ونشاط يعقر الناقة قال ابن كثير: وهو " قدار بن سالف " الذي قال الله فيه
فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر
[القمر: 29] وكان عزيزا شريفا في قومه، ورئيسا مطاعا فيهم، وهو أشقى القبيلة ﴿ فقال لهم رسول الله ﴾ أي فقال لهم صالح عليه السلام ﴿ ناقة الله وسقياها ﴾ أي احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أيضا أن تمنعوها من سقياها أي شربها ونصيبها من الماء كما قال تعالى
لها شرب ولكم شرب يوم معلوم
[الشعراء: 155] ﴿ فكذبوه فعقروها ﴾ أي فكذبوا نبيهم صالحا وقتلوا الناقة، ولم يلتفتوا إلى تحذيره ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ أي فأهلكهم الله ودمرهم عن آخرهم بسبب إجرامهم وطغيانهم قال الخازن: والدمدمة: هلاك باستئصال والمعنى أطبق عليهم العذاب طبقا فلم ينفلت منهم أحد ﴿ فسواها ﴾ أي فسوى بين القبيلة في العقوبة فلم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ أي ولا يخاف تعالى عاقبة إهلاكهم وتدميرهم، كما يخاف الرؤساء والملوك عاقبة ما يفعلون، لأنه تعالى لا يسأل عما يفعل.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بين ﴿ الشمس و القمر ﴾ و ﴿ الليل و النهار ﴾ وبين ﴿ فجورها وتقواها ﴾.
2- المقابلة اللطيفة بين ﴿ والنهار إذا جلاها ﴾ وبين ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ وبين ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ وبين ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ وكل من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية.
3- الإضافة للتكريم والتشريف ﴿ ناقة الله ﴾ نسبت إلى الله تشريفا لأنها خرجت من حجر أصم معجزة لصالح عليه السلام.
4- التهويل والتفظيع ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ فإن التعبير بالدمدمة يدل على هول العذاب.
5- السجع المرصع مراعاة للفواصل ورءوس الآيات وهو ظاهر جلي في السورة الكريمة.