. ثم ذكره تعالى بنعمه عليه ليعتبر ويتعظ فقال ﴿ ألم نجعل له عينين ﴾ أي ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟ ﴿ ولسانا ﴾ أي ولسانا ينطق به فيعبر عما في ضميره؟ ﴿ وشفتين ﴾ أي وشفتين يطبقهما على فمه، ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلك؟ قال الخازن: يريد أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقرره بها كي يشكره ﴿ وهديناه النجدين ﴾ أي وبينا له طريقي الخير والشر، والهدى والضلال، ليسلك طريق السعادة، ويتجنب طريق الشقاوة قال ابن مسعود: ﴿ النجدين ﴾ الخير والشر كقوله تعالى
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان: 3] ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ أي فهلا أنفق ماله في اجتياز العقبة الكئود، بدل أن ينفقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم؟! قال في البحر: والعقبة استعارة للعمل الشاق على النفس، من حيث فيه بذل المال، تشبيها لها بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وقت الصعود، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها، ومعنى اقتحمها دخلها بسرعة وشدة، وهو مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، حتى ينال رضى الرحمن ﴿ ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة ﴾ أي وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل.. ثم فسرها تعالى بقوله ﴿ فك رقبة ﴾ أي هي عتق الرقبة في سبيل الله، وتخليص صاحبها من الأسر والرق، فمن أعتق رقبة كانت له فداء من النار ﴿ أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴾ أي أو أن يطعم الفقير في يوم عصيب ذي مجاعة، قال الصاوي وقيد الإطعام بيوم المجاعة، لأن إخراج المال فيه أشد على النفس ﴿ يتيما ذا مقربة ﴾ أي أطعم اليتيم الذي بينه وبينه قرابة ﴿ أو مسكينا ذا متربة ﴾ أو المسكين الفقير البائس الذي قد لصق بالتراب من فقره وضره، وهو كناية عن شدة الفقر والبؤس قال ابن عباس: هو المطروح على ظهر الطريق لا يقيه من التراب شيء ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ أي عمل هذه القربات لوجه الله تعالى، وكان مع ذلك مؤمنا صادق الإيمان قال المفسرون: وفي الآية إشارة إلى أن هذه القرب والطاعات لا تنفع إلا مع الإيمان ﴿ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴾ أي وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان وطاعة الرحمن، وبالرحمة والشفقة على الضعفاء والمساكين ﴿ أولئك أصحاب الميمنة ﴾ أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويسعدون بدخول جنات النعيم ﴿ والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ﴾ قرن بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشرار أي والذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا بالقرآن هم أهل الشمال - أهل النار - لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، وعبر عنهم بضمير الغائب إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه، وكرامة أنسه ﴿ عليهم نار مؤصدة ﴾ أي عليهم نار مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها روح ولا ريحان، ولا يخرجون منها أبد الزمان.
. اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ونجنا من ذلك يا رب.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البديع والبيان نوجزها فيما يلي:
1- زيادة ﴿ لا ﴾ لتأكيد الكلام، وهو مستفيض في كلام العرب ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ أي أقسم بهذا البلد، وفائدتها تأكيد القسم كقولك: لا والله ما ذاك كما تقول أي والله قال امرؤ القيس:
" لا وأبيك ابنة العامري "
2- جناس الاشتقاق ﴿ ووالد وما ولد ﴾ فكل من الوالد والولد مشتق من الولادة.
3- الاستفهام الإنكاري للتوبيخ ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾؟ ومثله ﴿ أيحسب أن لم يره أحد ﴾؟
4- الاستفهام التقريري للتذكير بالنعم ﴿ ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين ﴾؟
5- الاستفهام للتهويل والتعظيم ﴿ ومآ أدراك ما العقبة ﴾؟ لأن الغرض تعظيم شأنها.