تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا

[العنكبوت: 40] ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي إن ربك يا محمد ليرقب عمل الناس، ويحصيه عليهم، ويجازيهم به قال في التسهيل: المرصاد المكان الذي يرتقب فيه الرصد، والمراد أنه تعالى رقيب على كل إنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش.. ولما ذكر تعالى ما حل بالطغاة المتجبرين، ذكر هنا طبيعة الإنسان الكافر، الذي يبطر عند الرخاء، ويقنط عند الضراء فقال ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴾ أي إذا اختبره وامتحنه ربه بالنعمة ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ أي فأكرمه بالغنى واليسار، وجعله منعما في الدنيا بالبنين والجاه والسلطان ﴿ فيقول ربي أكرمن ﴾ أي فيقول ربي أحسن إلي بما أعطاني من النعم التي أستحقها، ولم يعلم أن هذا ابتلاء له أيشكر أم يكفر؟ ﴿ وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ أي وأما إذا اختبره وامتحنه ربه بالفقر وتضييق الرزق ﴿ فيقول ربي أهانن ﴾ أي فيقول غافلا عن الحكمة: إن ربي أهانني بتضييقه الرزق علي قال القرطبي: وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره، وإنما أنكر تعالى على الإنسان قوله ﴿ ربي أكرمن ﴾ وقوله ﴿ ربي أهانن ﴾ لأنه إنما قال ذلك على وجه الفخر والكبر، لا على وجه الشكر، وقال: أهانن على وجه التشكي من الله وقلة الصبر، وكان الواجب عليه أن يشكر على الخير، ويصبر على الشر، ولهذا ردعه وزجره بقوله ﴿ كلا بل لا تكرمون اليتيم ﴾ أي ليس الإكرام بالغنى، والإهانة بالفقر كما تظنون، بل الإكرام والإهانة بطاعة الله ومعصيته ولكنكم لا تعلمون، ثم قال ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ﴾ أي بل أنتم تفعلون ماهو شر من ذلك، وهو أنكم لا تكرمون اليتيم مع إكرام الله لكم بكثرة المال!! ﴿ ولا تحآضون على طعام المسكين ﴾ أي ولا يحض بعضكم بعضا ولا يحثه على إطعام المحتاج وعون المسكين ﴿ وتأكلون التراث أكلا لما ﴾ أي وتأكلون الميراث أكلا شديدا، لا تسألون أمن حلال هو أم من حرام؟ قال في التسهيل: هو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيرا، بل ينفرد به الرجال ﴿ وتحبون المال حبا جما ﴾ أي وتحبون المال حبا كثيرا مع الحرص والشره، وهذا ذم لهم لتكالبهم على المال، وبخلهم بإنفاقه ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ﴾ ﴿ كلا ﴾ للردع أي ارتدعوا أيها الغافلون وانزجروا عن ذلك، فأمامكم أهوال عظيمة في ذلك اليوم العصيب، وذلك حين تزلزل الأرض وتحرك تحريكا متتابعا قال الجلال: أي زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم ﴿ وجآء ربك والملك صفا صفا ﴾ أي وجاء ربك يا محمد لفصل القضاء بين العباد، وجاءت الملائكة صفوفا متتابعة صفا بعد صف قال في التسهيل: قال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك، وهذه الآية وأمثالها مما يجب الإيمان به من غير تكييف ولا تمثيل وقال ابن كثير: قام الخلائق من قبورهم لربهم، وجاء ربك لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا ﴿ وجيء يومئذ بجهنم ﴾ أي وأحضرت جهنم ليراها المجرمون كقوله

وبرزت الجحيم لمن يرى

[النازعات: 36] وفي الحديث

" يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها "

﴿ يومئذ يتذكر الإنسان ﴾ أي في ذلك اليوم الرهيب، والموقف العصيب، يتذكر الإنسان عمله، ويندم على تفريطه وعصيانه، ويريد أن يقلع ويتوب ﴿ وأنى له الذكرى ﴾ أي ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى وقد فات أوانها؟! ﴿ يقول يليتني قدمت لحياتي ﴾ أي يقول نادما متحسرا: يا ليتني قدمت عملا صالحا ينفعني في آخرتي، لحياتي الباقية قال تعالى ﴿ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ﴾ أي ففي ذلك اليوم ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه ﴿ ولا يوثق وثاقه أحد ﴾ أي ولا يقيد أحد بالسلاسل والأغلال مثل تقييد الله للكافر الفاجر، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، فأما النفس الزكية المطمئنة فيقال لها ﴿ يأيتها النفس المطمئنة ﴾ أي يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد الله التي لا يلحقها اليوم خوف ولا فزع ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ أي ارجعي إلى رضوان ربك وجنته، راضية بما أعطاك الله من النعم، مرضية عنده بما قدمت من عمل قال المفسرون: هذا الخطاب والنداء يكون عند الموت، فيقال للمؤمن عند احتضاره تلك المقالة ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ أي فادخلي في زمرة عبادي الصالحين ﴿ وادخلي جنتي ﴾ أي وادخلي جنتي دار الأبرار الصالحين.

صفوة التفاسير · الصفحة ٨١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٨١٤