. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بوعظهم وتذكيرهم فقال ﴿ فذكر إنمآ أنت مذكر ﴾ أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ أي لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإيمان ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله العلي القدير ﴿ فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ أي فيعذبه الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإنما قال ﴿ الأكبر ﴾ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر ﴿ إن إلينآ إيابهم ﴾ أي إلينا وحدنا رجوعهم بعد الموت ﴿ ثم إن علينا حسابهم ﴾ أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم.
البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- أسلوب التشويق ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾؟
2- المجار المرسل بإطلاق الجزء وإرادة الكل ﴿ وجوه يومئذ خاشعة ﴾ المراد أصحابها.
3- الطباق في الحرف بين ﴿ إلينآ إيابهم.. و علينا حسابهم ﴾.
4- جناس الاشتقاق ﴿ فذكر.. مذكر ﴾ وبين ﴿ يعذبه.. والعذاب ﴾.
5- المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار ﴿ وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية ﴾ قابل بينها وبين سابقتها ﴿ وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة ﴾.
6- السجع الرصين غير المتكلف مثل ﴿ لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية ﴾.. الخ.
تنبيه: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام، أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين إنه نصراني؟ فقال: ذكرت قول الله عز وجل ﴿ عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية ﴾ فبكيت رحمة عليه.