. ثم بعد أن أكد الخبر بيوم القيامة، وأنه حق كائن لا محالة، وبعد أن خوف المكذبين من شدة هول ذلك اليوم، وفظاعة ما يقع فيه، عاد فخوفهم من بطش الله وانتقامه بأسلوب آخر فقال ﴿ ألم نهلك الأولين ﴾؟ أي ألم نهلك السابقين بتكذيبهم للرسل، كقوم نوح وعاد وثمود؟ ﴿ ثم نتبعهم الآخرين ﴾؟ أي ثم ألحقنا بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم في التكذيب والعصيان، كقوم لوط وشعيب وقوم موسى " فرعون وأتباعه " ومن على شاكلتهم ﴿ كذلك نفعل بالمجرمين ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين " كفار مكة " لتكذيبهم لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أي هلاك ودمار لكل مكذب بالتوحيد والنبوة، والبعث والحساب ﴿ ألم نخلقكم من مآء مهين ﴾ تذكير للمكذبين وتعجيب من غفلتهم وذهولهم عن أبسط الأمور المشاهدة، وهي أن من خلقهم من النطفة الحقيرة الضعيفة كان قادرا على إعادة خلقهم للبعث والحساب والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماء ضعيف حقير هو مني الرجل؟ وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل
" ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه "
الحديث ﴿ فجعلناه في قرار مكين ﴾ أي فجعلنا هذا الماء المهين في مكان حريز وهو رحم المرأة ﴿ إلى قدر معلوم ﴾ أي إلى مقدار من الزمن محدد معين، معلوم عند الله تعالى وهو وقت الولادة، ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ أي فقدرنا على خلقه من النطفة، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الصور، وأجمل الأشكال ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين بقدرتنا قال الصاوي: هذه الآية تذكير من الله تعالى للكفار بعظيم إنعامه عليهم، وبقدرته على ابتداء خلقهم، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، ففيها رد على المنكرين للبعث.. ثم ذكرهم بنعمة إيجادهم على الأرض حال الحياة، ومواراتهم في باطنها بعد الموت فقال ﴿ ألم نجعل الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا ﴾؟ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تعيشون عليها كالأم لكم، تجمع الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها؟ قال المفسرون: الكفت: الجمع والضم، فالأرض تجمع وتضم إليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور
منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
[طه: 55] قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات ﴾ أي وجعلنا في الأرض جبالا راسخات عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم ﴿ وأسقيناكم مآء فراتا ﴾ أي وأسقيناكم ماء عذبا حلوا بالغ العذوبة، أنزلناه لكم من السحاب، وأخرجناه لكم من العيون والأنهار، لتشربوا منه أنتم ودوابكم، وتسقوا منه زرعكم وأشجاركم ﴿ ويل يومئذ للمكذبين * انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ﴾ أي انطلقوا إلى عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون به في دار الدنيا، وهذا الكلام تقوله لهم خزنة النار تقريعا وتوبيخا.. ثم وضح ذلك العذاب وفصله فقال ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ أي اذهبوا فاستظلوا بدخان كثيف من دخان جهنم، يتفرع منه ثلاث شعب ﴿ لا ظليل ولا يغني من اللهب ﴾ أي لا يظل من يكون تحته، ولا يقيه حر الشمس كما هو حال الظل الممدود، ولا هو يدفع عنه أيضا ألسنة النار المندلعة من كل جانب قال الطبري: لا هو يظلهم من حرها، ولا يكنهم من لهبها، وذلك أنه يرتفع من وقود جهنم الدخان، فإذا تصاعد تفرق شعبا ثلاثة قال المفسرون: سمى العذاب ظلا تهكما واستهزاء بالمعذبين، فالمؤمنون في ظلال وعيون، والمجرمون في سموم وحميم، وظل من يحموم، واليحموم دخان أسود قاتم، فكيف يصح أن يسمى ما هم فيه ظلا إلا على طريق التهكم والاستهزاء؟ ثم زاد تعالى في وصف جهنم وأهوالها فقال ﴿ إنها ترمي بشرر كالقصر ﴾ أي إن جهنم تقذف بشرر عظيم من النار، كل شرارة منه كأنها القصر العظيم قال ابن كثير: يتطاير الشرر من لهبها كالحصون ﴿ كأنه جملت صفر ﴾ أي كأن شرر جهنم المتطاير منها الإبل الصفر في لونها وسرعة حركتها قال الرازي: شبه تعالى الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وهذا التشبيه من روائع صور التشبيه، لأن الشرارة إذا كانت مثل القصر الضخم، فكيف تكون حال تلك النار الملتهبة؟ أجارنا الله من نار جهنم بفضله ورحمته ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ أي هلاك ودمار للمكذبين بآيات الله ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ أي هذا اليوم الرهيب، الذي لا ينطق فيه أولئك المكذبون ولا يتكلمون كلاما ينفعهم، فهم في ذلك اليوم خرس بكم ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ أي ولا يقبل لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح والجرائم، بل لا يؤذن لهم في أن يعتذروا، لأنه لا تسمع منهم تلك الحجج والأعذار ولا تقبل كقوله تعالى