" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "
﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي بل هو شاهد على نفسه، وسوء عمله، وقبح صنيعه، لا يحتاج إلى شاهد آخر كقوله
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
[الإسراء: 14] والهاء في ﴿ بصيرة ﴾ للمبالغة كراوية وعلامة قال ابن عباس: الإنسان شاهد على نفسه وحده، يشهد عليه سمعه، وبصره، ورجلاه، وجوارحه ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ أي ولو جاء بكل معذرة ليبرر إجرامه وفجوره، فإنه لا ينفعه ذلك، لأنه شاهد على نفسه، وحجة بينة عليها قال الفخر: المعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن نفسه، وجادل عنها، وأتى بكل عذر وحجة، فإنه لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه بما جنت واقترفت من الموبقات.
. وبعد هذا البيان انتقل الحديث إلى القرآن، وطريقة تلقي الوحي عن جبريل فقال تعالى مخاطبا رسوله ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي عليك بواسطة جبريل، لأجل أن تتعجل بحفظه مخافة أن يتفلت منك ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ أي إن علينا أن نجمعه في صدرك يا محمد وأن تحفظه ﴿ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ﴾ أي فإذا قرأه عليك جبريل، فأنصت لاستماعه حتى يفرغ، ولا تحرك شفتيك أثناء قراءته ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ أي ثم إن علينا بيان ما أشكل عليك فهمه يا محمد من معانيه وأحكامه، قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه، مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله ﴿ لا تحرك به لسانك.. ﴾ الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق واستمع، فإذا ذهب قرأه كما وعد الله عز وجل قال ابن عباس ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ قال: فاستمع وأنصت ﴿ ثم إن علينا بيانه ﴾ قال: أن نبينه بلسانك وقال ابن كثير: كان صلى الله عليه وسلم يبادر إلى أخذ القرآن، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن يبينه له ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه ثم عاد الحديث عن المكذبين بيوم الدين فقال تعالى مخاطبا كفار مكة ﴿ كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة ﴾ أي ارتدعوا يا معشر المشركين، فليس الأمر كما زعمتم أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء، بل أنتم قوم تحبون الدنيا الفانية، وتتركون الآخرة الباقية، ولذلك لا تفكرون في العمل للآخرة مع أنها خير وأبقى ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ لما ذكر تعالى أن الناس يؤثرون الدنيا ولذائذها الفانية على الآخرة ومسراتها الباقية، وصف ما يكون يوم القيامة من انقسام الخلق إلى فريقين: أبرار، وفجار والمعنى وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة مضيئة، من أثر النعيم، وبشاشة السرور عليها، كقوله تعالى
تعرف في وجوههم نضرة النعيم
[المطففين: 24] ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ أي تنظر إلى جلال ربها، وتهيم في جماله، أعظم نعيم لأهل الجنة رؤية المولى جلا وعلا والنظر إلى وجهه الكريم بلا حجاب قال الحسن البصري: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وبذلك وردت النصوص الصحيحة ﴿ ووجوه يومئذ باسرة ﴾ أي ووجوه يوم القيامة عابسة كالحة، شديدة العبوس والكلوح، وهي وجوه الأشقياء أهل الجحيم ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ أي تتوقع أن تنزل بها داهية عظمى، تقصم فقار الظهر، قال ابن كثير: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة كالحة عابسة، تستيقن أنها هالكة، وتتوقع أن تحل بها داهية تكسر فقار الظهر ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ﴿ كلا ﴾ ردع وزجر عن إيثار العاجلة أي ارتدعوا يا معشر المشركين عن ذلك، وتنبهوا لما بين أيديكم من الأهوال والمخاطر، فإن الدنيا دار الفناء، ولا بد أن تتجرعوا كأس المنية، وإذا بلغت الروح ﴿ التراقي ﴾ أعالي الصدر، وشارف الإنسان على الموت ﴿ وقيل من راق ﴾ أي وقال أهله وأقرباؤه: من يرقيه ويشفيه مما هو فيه؟ قال في البحر: ذكرهم تعالى بصعوبة الموت، وهو أول مراحل الآخرة، حين تبلغ الروح التراقي - وهي عظام أعلى الصدر - فقال أهله: من يرقي ويطب ويشفي هذا المريض؟ ﴿ وظن أنه الفراق ﴾ أي وأيقن المحتضر أنه سيفارق الدنيا والأهل والمال، لمعاينته ملائكة الموت ﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ أي والتفت إحدى ساقي المحتضر على الأخرى، من شدة كرب الموت وسكراته قال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، وروي عن ابن عباس أن المراد اجتمعت عليه شدة مفارقة الدنيا، مع شدة الموت وكربه، فيكون ذلك من باب التمثيل للأمر الهائل العظيم، حيث يلتقي عليه شدة كرب الدنيا، مع شدة كرب الآخرة، كما يقال: شمرت الحرب عن ساق، استعارة لشدتها ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ أي إلى الله جل وعلا مساق العباد، يجتمع عنده الأبرار والفجار، ثم يساقون إلى الجنة أو النار قال الخازن: أي مرجع العباد الى الله تعالى، يساقون إليه يوم القيامة ليفصل بينهم.