تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه

[عبس: 34-37] قال ابن عباس: ﴿ يبصرونهم ﴾ أي يعرف بعضهم بعضا ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض ﴿ يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه ﴾ أي يتمنى الكافر - مرتكب جريمة الجحود والتكذيب - لو يفدي نفسه من عذاب الله، بأعز من كان عليه في الدنيا من ابن، وزوجة، وأخ ﴿ وفصيلته التي تؤويه ﴾ أي وعشيرته التي كانت تضمه إليها، ويتكل في نوائبه عليها، وليس هذا فحسب بل يتمنى لو يفتدي بجميع أهل الأرض ﴿ ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ﴾ أي وبجميع من في الأرض من البشر وغيرهم ثم ينجو من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينجو المجرم من العذاب، أو ينقذه ذلك من شدة الكرب، وفادح الخطب، قال الإمام الفخر: و ﴿ ثم ﴾ لاستبعاد الإنجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده، وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه ﴿ كلا إنها لظى ﴾ ﴿ كلا ﴾ أداة زجر وتعنيف أي لينزجر هذا الكافر الأثيم وليرتدع عن هذه الأماني، فليس ينجيه من عذاب الله فداء، بل أمامه جهنم، تتلظى نيرانها وتلتهب ﴿ نزاعة للشوى ﴾ أي تنزع بشدة حرها جلدة الرأس من الإنسان كلما قلعت عادت كما كانت زيادة في التنكيل والعذاب، وخصها بالذكر لأنها أشد الجسم حساسية وتأثرا بالنار ﴿ تدعوا من أدبر وتولى ﴾ أي تنادي جهنم وتهتف بمن كذب بالرحمن، وأعرض عن الإيمان، قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح تقول: إلي يا كافر، إلي يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب ﴿ وجمع فأوعى ﴾ أي وتدعو من جمع المال وخبأه وكنزه في الخزائن والصناديق، ولم يؤد منه حق الله وحق المساكين قال المفسرون: والآية وعيد شديد لمن يبخل بالمال، ويحرص على جمعه، فلا ينفقه في سبيل الخير، ولا يخرج منه حق الله حق المسكين، وقد كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا أي جمعتها من حلال وحرام!! ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، وما جبل عليه من الحرص الشديد على جمع حطام الدنيا فقال ﴿ إن الإنسان خلق هلوعا ﴾ أي إن الإنسان جبل على الضجر، لا يصبر على بلاء، ولا يشكر على نعماء قال المفسرون: الهلع: شدة الحرص وقلة الصبر، يقال: جاع فهلع، والمراد بالإنسان العموم بدليل الاستثناء منه، والاستثناء معيار العموم، ثم فسره تعالى بقوله ﴿ إذا مسه الشر جزوعا ﴾ أي إذا نزل به مكروه من فقر، أو مرض، أو خوف، كان مبالغا في الجزع مكثرا منه، واستولى عليه اليأس والقنوط ﴿ وإذا مسه الخير منوعا ﴾ أي وإذا أصابه خير من غنى، وصحة وسعة رزق كان مبالغا في المنع والإمساك، فهو إذا أصابه الفقر لم يصبر، وإذا أغناه الله لم ينفق قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره، ويهرب مما يكرهه، ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره ﴿ إلا المصلين ﴾ استثناهم من أفراد البشر الموصوفين بالهلع، لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها ﴿ الذين هم على صلاتهم دآئمون ﴾ أي مواظبون على أداء الصلاة، لا يشغلهم عنها شاغل، لأن نفوسهم صفت من أكدار الحياة، بتعرضهم لنفحات الله ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم ﴾ أي في أموالهم نصيب معين فرضه الله عليهم وهو الزكاة ﴿ للسآئل والمحروم ﴾ أي للفقير الذي يسأل ويتكفف الناس، والمحروم الذي يتعفف عن السؤال، فيظن أنه غني فيحرم كقوله تعالى

يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف

[البقرة: 273] ﴿ والذين يصدقون بيوم الدين ﴾ أي يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، ويصدقون بمجيئه تصديقا جازما لا يشوبه شك أو ارتياب، فيستعدون له بالأعمال الصالحة ﴿ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ﴾ أي خائفون على أنفسهم من عذاب الله، يرجون الثواب ويخافون العقاب ﴿ إن عذاب ربهم غير مأمون ﴾ أي لأن عذاب الله لا ينبغي أن يأمنه إنسان، إلا من أمنه الرحمن والأمور بخواتيمها.. إن هؤلاء المصدقين المشفقين قلما تزدهيهم الدنيا، أو يبطرهم نعيمها، أو يجزعون على ما فاتهم من حطامها، فسواء عليهم أخسروا حظوظ الدنيا أم غنموا، إذ أن لديهم من الفكر في جلال ربهم، وذكر معادهم، ما يشغلهم عن الجزع إذا مسهم الشر، ويربأ بهم عن المنع إذا مسهم الخير، ثم ذكر تعالى الفريق الخامس من الموفقين للخيرات وفعل الطاعات فقال ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون ﴾ أي أعفاء لا يرتكبون المحارم، ولا يتلوثون بالمآثم، قد صانوا أنفسهم عن الزنى والفواحش ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ أي يقتصرون على ما أحل الله لهم من الزوجات المنكوحات، والرقيقات المملوكات ﴿ فإنهم غير ملومين ﴾ أي فإنهم غير مؤاخذين لأن وضع الشهوة فيما أباح الله من الزوجات والمملوكات، حلال يؤجر عليه الإنسان، لما فيه من تكثير النسل والذرية ﴿ فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون ﴾ أي فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات، فقد تعدى حدود الله وعرض نفسه لعذاب الله قال الطبري: من التمس لفرجه منكحا سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين تعدوا حدود ما أحل الله لهم، إلى ما حرمه عليهم، فهم الملومون ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ أي يؤدون الأمانات، ويحفظون العهود، فإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا ﴿ والذين هم بشهاداتهم قائمون ﴾ أي يشهدون بالحق على القريب والبعيد، ولا يكتمون الشهادة ولا يغيرونها، بل يؤدونها على وجهها الكامل، بحيث تصان بها حقوق الناس ومصالحهم، وخصها بالذكر مع اندراجها في الأمانات، تنبيها على فضلها لأن في إقامتها إحياء للحقوق، وفي تركها تضييع للحقوق ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ هذا هو الوصف الثامن من أوصاف المؤمنين الذين وفقهم الله إلى تطهير نفوسهم من خلق الهلع المذموم أي يراعون شرائط الصلاة ويلتزمون آدابها، ولا سيما الخشوع والتدبر ومراقبة الله فيها، وإلا كانت حركات صورية لا يجني العبد ثمرتها، فإن فائدة الصلاة أن تكف عن المحارم

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٦١