" إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء "
﴿ إن ذلك على الله يسير ﴾ أي إن إثبات ذلك على كثرته سهل هين على الله عز وجل وإن كان عسيرا على العباد.. ثم بين تعالى لنا الحكمة في إعلامنا عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر فقال ﴿ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ﴾ أي أثبت وكتب ذلك كي لا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا ﴿ ولا تفرحوا بمآ آتاكم ﴾ أي ولكي لا تبطروا بما أعطاكم الله من زهرة الدنيا ونعيمها قال المفسرون: والمراد بالحزن الحزن الذي يوجب القنوط، وبالفرح الفرح الذي يورث الأشر والبطر، ولهذا قال ابن عباس: " ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا " ومعنى الآية: لا تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تفرحوا فرحا شديدا يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ولهذا قال بعض العارفين: " من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب " وقال عمر رضي الله عنه: " ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يعطي عليها الثواب العظيم والأجر الكبير
وبشر الصابرين * الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
[البقرة: 155-157] ﴿ والله لا يحب كل مختال فخور ﴾ أي لا يحب كل متكبر معجب بما أعطاه الله من حظوظ الدنيا، فخور به على الناس.. ثم بين تعالى أوصاف هؤلاء المذمومين فقال ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ أي يبخلون بالإنفاق في سبيل الله، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويرغبوهم في الإمساك ﴿ ومن يتول ﴾ أي ومن يعرض عن الإنفاق ﴿ فإن الله هو الغني الحميد ﴾ أي فإن الله مستغن عنه وعن إنفاقه، محمود في ذاته وصفاته، لا يضره الإعراض عن شكره، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وفيه وعيد وتهديد ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد بعثنا رسلنا بالحجج القواطع والمعجزات البينات ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ أي وأنزلنا معهم الكتب السماوية التي فيها سعادة البشرية، وأنزلنا القانون الذي يحكم به بين الناس، وفسر بعضهم الميزان بأنه العدل وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ أي ليقوم الناس بالحق والعدل في معاملاتهم ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴾ أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه بأس شديد، لأن آلات الحرب تتخذ منه، كالدروع، والرماح، والتروس، والدبابات وغير ذلك ﴿ ومنافع للناس ﴾ أي وفيه منافع كثيرة للناس كسكك الحراثة، والسكين، والفأس وغير ذلك وما من صناعة إلا والحديد آلة فيها قال أبو حيان: وعبر تعالى عن إيجاده بالإنزال كما قال
وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج
[الزمر: 6] لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تلقى من السماء جعل الكل نزولا منها، وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله الجمهور ﴿ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ﴾ عطف على محذوف مقدر أي وأنزلنا الحديد ليقاتل به المؤمنون أعداءهم ويجاهدوا لإعلاء كلمة الله، وليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر الأسلحة مؤمنا بالغيب قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ثم قال تعالى ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ أي قادر على الانتقام من أعدائه بنفسه، عزيز أي غالب لا يغالب فهو غني بقدرته وعزته عن كل أحد قال البيضاوي: أي قوي على إهلاك من أراد إهلاكه، عزيز لا يفتقر إلى نصرة أحد، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا الثواب وقال ابن كثير: معنى الآية أنه جعل الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور، ويقارعهم بالحجة والبرهان، فلما قامت الحجة على من خالف أمر الله، شرع الله الهجرة وأمر المؤمنين بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب، ولهذا قال عليه السلام