تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذبت قوم نوح المرسلين

[الشعرا: 105] ﴿ فحق وعيد ﴾ أي فوجب عليهم وعيدي وعقابي، والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفرة المجرمين ﴿ أفعيينا بالخلق الأول ﴾ أي أفعجزنا عن ابتداء الخلق حتى نعجز عن إعادتهم بعد الموت؟ قال القرطبي: وهو توبيخ لمنكري البعث، وجواب لقولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ ومراده أن ابتداء الخلق لم يعجزنا، والإعادة أسهل منه فكيف يتوهم عجزنا عن البعث والإعادة ﴿ بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ أي بل هم في خلط وشبهة وحيرة من البعث والنشور قال الألوسي: وإنما نكر الخلق ووصف بجديد، ولم يقل: من الخلق الثاني تنبيها على استبعادهم له وأنه خلق عظيم يجب أن يهتم بشأنه فله نبأ عظيم ثم نبه تعالى على سعة علمه وكمال قدرته فقال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ﴾ أي خلقنا جنس الإنسان ونعلم ما يجول في قلبه وخاطره، لا يخفى علينا شيء من خفاياه ونواياه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ أي ونحن أقرب إليه من حبل وريده، وهو عرق كبير في العنق متصل بالقلب قال أبو حيان: ونحن أقرب إليه قرب علم، نعلم به وبأحواله لا يخفى علينا شيء من خفياته، فكأن ذاته تعالى قريبة منه، وهو تمثيل لفرط القرب كقول العرب: هو مني معقد الإزار وقال ابن كثير: المراد ملائكتنا أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه، والحلول والاتحاد منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس، وهذا كما قال في المحتضر

ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون

[الواقعة: 85] يريد به الملائكة، ويدل عليه قوله بعده ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ أي حين يتلقى الملكان الموكلان بالإنسان، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات، وفي الكلام حذف تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه قال مجاهد: وكل الله بالإنسان - مع علمه بأحواله - ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره إلزاما للحجة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات فذلك قوله تعالى ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ وقال الألوسي: والمراد أنه سبحانه أعلم بحال الإنسان من كل رقيب، حين يتلقى المتلقيان الحفيظان ما يتلفظ به، وفيه إيذان بأنه عز وجل غني عن استحفاظ الملكين، فإنه تعالى أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما، لكن الحكمة اقتضت كتابة الملكين لعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد، فإذا علم العبد ذلك - مع علمه بإحاطة الله تعالى بعلمه - ازداد رغبة في الحسنات، وانتهاء عن السيئات ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ﴾ أي ما يتلفظ كلمة من خير أو شر، إلا وعنده ملك يرقب قوله ويكتبه ﴿ عتيد ﴾ أي حاضر معه أينما كان مهيأ لكتابة ما أمر به قال ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر وقال الحسن: فإذا مات ابن آدم طويت صحيفته وقيل له يوم القيامة

اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 14] ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ أي وجاءت غمرة الموت وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، بالأمر الحق من أهوال الآخرة حتى يراها المنكر لها عيانا ﴿ ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ أي ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه وتهرب منه وتفزع وفي الحديث عن عائشة

" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: " سبحان الله إن للموت لسكرات "

﴿ ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ﴾ أي ونفخ في الصور نفخة البعث ذلك هو اليوم الذي وعد الله الكفار به بالعذاب ﴿ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد ﴾ أي وجاء كل إنسان برا كان أو فاجرا ومعه ملكان: أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم وهي الأيدي والأرجل

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٦٦