" أن ثابت بن قيس كان رفيع الصوت، فلما نزلت الآية قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا من أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزينا، فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا بل هو من أهل الجنة "
وفي رواية
" أترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم "
﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ أي إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الذين أخلص الله قلوبهم للتقوى ومرنها عليها وجعلها صفة راسخة فيها قال ابن كثير: أي أخلصها للتقوى وجعلها أهلا ومحلا ﴿ لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾ أي لهم في الآخرة صفح عن ذنوبهم، وثواب عظيم في جنات النعيم.
. ثم ذم تعالى الأعراب الجفاة الذين ما كانوا يتأدبون في ندائهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات ﴾ أي يدعونك من وراء الحجرات، منازل أزواجك الطاهرات ﴿ أكثرهم لا يعقلون ﴾ أي أكثر هؤلاء غير عقلاء، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، ومراعاة العظماء عند خطابهم، سيما لمن كان بهذا المنصب الخطير قال البيضاوي: قيل إن الذي ناداه " عيينة بن حصين " و " الأقرع بن حابس " وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد أخرج إلينا ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ﴾ أي ولو أن هؤلاء المنادين لم يزعجوا الرسول صلى الله عليه وسلم بمناداتهم وصبروا حتى يخرج إليهم لكان ذلك الصبر خيرا لهم وأفضل عند الله وعند الناس، لما فيه من مراعاة الأدب في مقام النبوة ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي الغفور لذنوب العباد، الرحيم بالمؤمنين حيث اقتصر على نصحهم وتقريعهم، ولم ينزل العقاب بهم.. ثم حذر تعالى من الاستماع للأخبار بغير تثبت فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ﴾ أي إذا أتاكم رجل فاسق - غير موثوق بصدقه وعدالته - بخبر من الأخبار ﴿ فتبينوا ﴾ أي فتثبتوا من صحة الخبر ﴿ أن تصيبوا قوما بجهالة ﴾ أي لئلا تصيبوا قوما وأنتم جاهلون حقيقة الأمر ﴿ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ﴾ أي فتصيروا نادمين أشد الندم على صنيعكم ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ أي واعلموا - أيها المؤمنون - أن بينكم الرسول المعظم، والنبي المكرم، المعصوم عن اتباع الهوى ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ أي لو يسمع وشاياتكم، ويصغي بسمعه لإرادتكم، ويطيعكم في غالب ما تشيرون عليه من الأمور، لوقعتم في الجهد والهلاك قال ابن كثير: أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ولو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ﴾ أي ولكنه تعالى - بمنه وفضله - نور بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان ﴿ وزينه في قلوبكم ﴾ أي وحسنه في قلوبكم، حتى أصبح أغلى عندكم من كل شيء ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾ أي وبغض إلى نفوسكم أنواع الضلال، من الكفر والمعاصي والخروج عن طاعة الله قال ابن كثير: والمراد بالفسوق الذنوب الكبار، وبالعصيان جميع المعاصي ﴿ أولئك هم الراشدون ﴾ أي أولئك المتصفون بالنعوت الجليلة هم المهتدون، الراشدون في سيرتهم وسلوكهم، والجملة تفيد الحصر أي هم الراشدون لا غيرهم ﴿ فضلا من الله ونعمة ﴾ أي هذا العطاء تفضل منه تعالى عليكم وإنعام ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بمن يستحق الهداية، حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره.