تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني جاعل في الأرض خليفة

[البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن ﴿ إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إلي إلا لأني رسول مرسل إليكم لأنذركم عذاب الله، ومعنى النذير المنذر المخوف من عذاب الله، ثم شرع تعالى في ذكر قصة آدم فقال ﴿ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ﴾ أي اذكر حين أعلم ربك الملائكة أنه سيخلق إنسانا من طين وهو آدم عليه السلام ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴾ أي فإذا أتممت خلقه ونفخت فيه الروح فاسجدوا إكراما له وإعظاما قال القرطبي: وهذا سجود تحية لا سجود عبادة ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴾ أي فسجد جميع الملائكة خضوعا له وتعظيما لأمر الله بالسجود له ﴿ إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ﴾ أي لكن إبليس استكبر عن طاعة الله وأبى السجود لآدم فصار من الكافرين قال ابن كثير: امتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسا كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه خير من آدم، فكفر بذلك وطرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه ﴿ قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ﴾؟ أي: قال له ربه: ما الذي صرفك وصدك عن السجود لمن خلقته بذاتي من غير واسطة أب وأم؟ قال القرطبي: أضاف خلقه إلى نفسه تكريما لآدم وإن كان خالق كل شيء، كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه ﴿ أستكبرت أم كنت من العالين ﴾؟ أي استكبرت الآن عن السجود أم كنت قديما من المتكبرين على ربك؟ وهذا على جهة التوبيخ له لاستنكافه عن السجود ﴿ قال أنا خير منه ﴾ أي قال اللعين أنا خير من آدم وأشرف وأفضل ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ أي لأنني مخلوق من النار، وآدم مخلوق من الطين، والنار خير من الطين، فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ﴿ قال فاخرج منها فإنك رجيم ﴾ أي اخرج من الجنة فإنك لعين مطرود من كل خير وكرامة ﴿ وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ﴾ أي وأنت مبعد عن رحمتي إلى يوم الجزاء والعقوبة ثم تلقى ما هو أفظع وأشنع من اللعنة ﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ أي أخرني وأمهلني إلى اليوم الذي تبعث فيه الخلائق من القبور قال أبو السعود: أراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد البعث فأجابه الله بأنه مؤخر إلى وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي طلبه ﴿ قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ أي إنك من الممهلين إلى وقت النفخة الأولى حيث يموت الناس وتنتهي مهمتك ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ أي قال اللعين: أقسم بعزتك لأضلن بني آدم أجمعين، إلا الذين أخلصتهم لعبادتك وعصمتهم مني ﴿ قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ أي قال تعالى أقسم بالحق ولا أقول إلا الحق لأملأن جنهم منك ومن أتباعك قال السدي: هو قسم أقسم الله به، وجملة " والحق أقول " اعتراضية لتأكيد القسم ﴿ قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين ﴾ أي قل لهم يا محمد: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا، ولست من الذين يتصنعون ويتحيلون حتى انتحل النبوة وأتقول القرآن ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ أي ما هذا القرآن إلا عظة وذكرى للإنس والجن والعقلاء ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي ولتعلمن خبره وصدقه عن قريب، وهذا وعيد وتهديد قال الحسن البصري: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1 المقابلة بين المؤمنين والمفسدين، وبين المتقين والفجار

أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٨٥