تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده: لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون "

قال ابن كثير: " وقد أورد بعض المفسرين آثارا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أوكلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة " واختار الإمام الفخر أن الفتنة المذكورة في الآية الكريمة يقصد بها فتنته في جسده، حيث إن سليمان ابتلي بمرض شديد نحل منه وضعف، حتى صار لشدة المرض كأنه جسد ملقى على كرسي، قال والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم، وجسم بلا روح، ثم أناب أي رجع إلى حالة الصحة ﴿ قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ أي اغفر لي ما صدر مني وأعطني ملكا واسعا لا يكون لأحد غيري ليكون دلالة على نبوتي ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ أي واسع الفضل كثير العطاء ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ أي فذللنا الريح لطاعته إجابة لدعوته ﴿ تجري بأمره رخآء حيث أصاب ﴾ أي تسير بأمره لينة طيبة حيث قصد وأراد ﴿ والشياطين كل بنآء وغواص ﴾ أي وسخرنا له الشياطين كذلك تعمل بأمره، منهم من يستخدمه لبناء الأبنية الهائلة العجيبة، ومنهم من يغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان ﴿ وآخرين مقرنين في الأصفاد ﴾ أي وآخرين من الشياطين - وهم المردة - موثوقون في الأغلال، مربوطون بالقيود والسلاسل لكفرهم وتمردهم عن طاعة سليمان ﴿ هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ﴾ أي وقلنا له: هذا عطاؤنا الواسع لك، فأعط من شئت وامنع من شئت، لا حساب عليك في ذلك، لأنك مطلق اليد فيما وهب الله لك الواسع لك من سلطة ومن نعمة ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ أي وإن له عندنا لمكانة رفيعة في الدنيا، وحسن مرجع في الآخرة ﴿ واذكر عبدنآ أيوب ﴾ هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة، والإضافة للتشريف أي اذكر يا محمد عبدنا الصالح أيوب عليه السلام، الذي ابتلي بأنواع البلاء فصبر. ﴿ إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ أي حين نادى ربه متضرعا إليه قائلا إني مسني الشيطان بتعب ومشقة، وألم شديد في بدني قال المفسريون: وإنما نسب ذلك إلى الشيطان تأدبا مع الله تعالى، وإن كانت الأشياء كلها خيرها وشرها من الله تعالى، وكان أيوب قد أصيب في ماله وأهله وبدنه، وبقي في البلاء ثمان عشرة سنة، وقد تقدمت قصته ﴿ اركض برجلك ﴾ أي وقلنا له اضرب برجلك الأرض فضربها فنبعت له عين ماء صافية ﴿ هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ أي وقلنا له هذا ماء تغتسل به، وشراب تشرب منه، فاغتسل منها فذهب ما كان بظاهر جسده، وشرب منها فذهب كل مرض كان داخل جسده قال أبو حيان: ﴿ هذا مغتسل ﴾ أي ما يغتسل به ﴿ وشراب ﴾ أي ما يشرب منه، فباغتسالك يبرأ ظاهرك، وبشربك يبرأ باطنك، والجمهور على أنه نبعت له عينان، شرب من إحداهما واغتسل من الأخرى فشفي ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ أي أحيا الله من مات من أولاده ورزقه مثلهم قال الرازي: الأقرب أن الله تعالى متعه بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك وعن الحسن أنه أحياهم بعد أن هلكوا وقال أبو حيان: الجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع عليه من شتت منهم ﴿ رحمة منا ﴾ أي رحمة منا به لصبره وإخلاصه ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ أي وعبرة لذوي العقول المستنيرة قال ابن كثير: أي وذكرى لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج ﴿ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ﴾ أي وقلنا له خذ بيدك حزمة من القضبان الرفيعة فاضرب بها زوجتك لتبر بيمينك ولا تحنث قال المفسرون: كان أيوب قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط إذا برىء من مرضه، وسبب ذلك أنها كانت تخدمه في حالة مرضه، فلما اشتد به البلاء وطالت به المدة وسوس إليها الشيطان: إلى متى تصبرين؟ فجاءت إلى أيوب وفي نفسها الضجر فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ فغضب من هذا الكلام وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ حزمة من قضبان خفيفة فيها مئة عود ويضربها بها ضربة واحدة ويبر في يمينه، ورحمة من الله به وبزوجه التي قامت على رعايته، وصبرت على بلائه، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولهذا قال تعالى ﴿ إنا وجدناه صابرا ﴾ أي ابتليناه فوجدناه صابرا على الضراء ﴿ نعم العبد إنه أواب ﴾ أي نعم العبد أيوب إنه كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة والعبادة ﴿ واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ﴾ أي اذكر يا محمد هؤلاء الأنبياء الأخيار وتأس بهم، الذين جمعوا بين القوة في العبادة، والبصائر في الدين قال الطبري: أي أهل القوة في عبادة الله، وأهل العقول المبصرة ﴿ إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ أي خصصناهم بخصلة خالصة عظيمة الشأن، هي عدم التفاتهم إلى الدنيا وتذكرهم للدار الباقية قال مجاهد: جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هم غيرها ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ﴾ أي وهم عندنا المختارون المجتبون على سائر الناس لأنهم أخيار أبرار ﴿ واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار ﴾ أي واذكر يا محمد هؤلاء الرسل أيضا وكل من خيرة الله فاقتد بهم في الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله ﴿ هذا ذكر ﴾ أي هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من سيرة الرسل الكرام ذكر جميل لهم في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا ﴿ وإن للمتقين لحسن مآب ﴾ أي وإن لكل متق لله مطيع لرسله لحسن مرجع ومنقلب، ثم فسره بقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ أي جنات إقامة في دار الخلد والنعيم قد فتحت لهم أبوابها انتظارا لقدومهم قال الرازي: إن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا المؤمنين فتحوا لهم أبوابها، وحيوهم بالسلام، فيدخلون كذلك محفوفين بالملائكة على أعز حال، وأجمل هيئة ﴿ متكئين فيها ﴾ أي متكئين في الجنة على الأرائك وهي السرر الوثيرة ﴿ يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب ﴾ أي وهم متكئون على الأسرة يطلبون أنواع الفواكة، وألوان الشراب كعادة الملوك في الدنيا قال ابن كثير: أي مهما طلبوا وجدوا، ومن أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام قال الصاوي: والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي لأنه لا جوع في الجنة ﴿ وعندهم قاصرات الطرف أتراب ﴾ أي وعندهم الحور العين اللواتي لا ينظرن إلى غير أزواجهن أتراب أي في سن واحدة ﴿ هذا ما توعدون ليوم الحساب ﴾ أي هذا جزاؤكم الذي وعدتم به في الدنيا ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ أي هذا النعيم عطاؤنا لأهل الجنة لا زوال له ولا انقطاع ولا انتهاء أبدا قال في الظلال: يبدأ هذا المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع والأجزاء، وفي السمات والهيئات: منظر المتقين لهم ﴿ حسن مآب ﴾ ومنظر الطاغين لهم ﴿ شر مآب ﴾ فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب، وهن مع شبابهن ﴿ قاصرات الطرف ﴾ لا يتطلعن ولا يمددن بأبصارهن، وكلهن شواب أتراب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٨٣