تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمع النقيضين من أسرار قدرته

هذا السحاب به ماء به نار

﴿ فإذآ أنتم منه توقدون ﴾ أي فإذا أنتم تقدحون النار من هذا الشجر الأخضر ﴿ أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ﴾؟ أي أوليس الذي خلق السموات والأرض مع كبر جرمهما، وعظم شأنهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها؟ ﴿ بلى وهو الخلاق العليم ﴾ أي بلى هو القادر على ذلك، فهو الخلاق المبدع في الخلق والتكوين، العليم بكل شيء ﴿ إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ أي لا يصعب عليه جل وعلا شيء لأن أمره بين الكاف والنون، فمتى أراد تعالى شيئا وجد، بدون تعب ولا جهد، ولا كلفة ولا عناء ﴿ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ﴾ أي تنزه وتمجد عن صفات النقص الإله العظيم الجليل، الذي بيده الملك الواسع، والقدرة التامة على كل الأشياء ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي وإليه وحده مرجع الخلائق للحساب والجزاء.. ختم تعالى السورة الكريمة بهذا الختم الرائع، الدال على كمال القدرة، وعظمة الملك والسلطان، الذي تفرد به خالق الأكوان.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- طباق السلب ﴿ أن لا تعبدوا الشيطان... وأن اعبدوني ﴾ فالأول سلب، والآخر إيجاب.

2- الاستفهام الإنكاري للتوبيخ والتقريع ﴿ أفلم تكونوا تعقلون ﴾؟ ﴿ أفلا يشكرون ﴾؟.

3- الطباق بين ﴿ مضيا.. ويرجعون ﴾ ﴿ يسرون.. ويعلنون ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

4- التشبيه البليغ ﴿ وهم لهم جند محضرون ﴾ أي كالجند في الخدمة والدفاع، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا.

5- ذكر العام بعد الخاص ﴿ ولهم فيها منافع ومشارب ﴾ بعد قوله ﴿ فمنها ركوبهم ﴾ الآية وفائدته تفخيم النعمة، وتعظيم المنة.

6- المقابلة ﴿ لينذر من كان حيا ﴾ الآية قابل بين الإنذار والإعذار، وبين المؤمنين والكفار ﴿ ويحق القول على الكافرين ﴾ وهو من ألطف التعبير.

7- الاستعارة التمثيلية ﴿ مما عملت أيدينآ أنعاما ﴾ الأنعام تخلق ولا تعمل، ولكنه شبه اختصاصه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمرا بيديه ويصنعه بنفسه، واستعار لفظ العمل للخلق بطريق الاستعارة التمثيلية.

8- صيغة المبالغة ﴿ خصيم مبين ﴾.. ﴿ الخلاق العليم ﴾.

9- الاستعارة التمثيلية ﴿ أن يقول له كن فيكون ﴾ شبه سرعة تأثير قدرته تعالى ونفاذها في الأشياء بأمر المطاع من غير توقف ولا امتناع، فإذا أراد شيئا وجد من غير إبطاء ولا تأخير، وهو من لطائف الاستعارة.

فائدة: الملكوت صيغة مبالغة من الملك، ومعناه الملك الواسع التام مثل الجبروت والرحموت للمبالغة.

تنبيه: قال العلامة ابن كثير: " ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه تمثل يوم الخندق بأبيات ابن رواحة

" اللهم لولا أنت ما اهتدينا "

وما ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب على بغلته

" أنا النبي لا كذب: أنا ابن عبد المطلب "

وقوله

" هل أنت إلا أصبع دميت: وفي سبيل الله ما لقيت "

الخ إنما وقع اتفاقا من غير قصد إلى قول الشعر، بل جرى هذا على لسانه صلى الله عليه وسلم عفوا وكل هذا لدينا في قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ اه. فتدبره فإنه نفيس.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٦٨