تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يقول العبد يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول العبد فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، ثم يختم على فيه ويقال لجوارحه انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل "

﴿ ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ﴾ أي لو شئنا لأعميناهم فابتدروا طريقهم ذاهبين كعادتهم فكيف يبصرون حينئذ؟ قال ابن عباس: المعنى لو نشاء لأعميناهم عن الهدى فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق، وهو تهديد لقريش ﴿ ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم ﴾ أي لو نشاء لمسخناهم مسخا يقعدهم في مكانهم ﴿ فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ﴾ أي إذا مسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا، وهو تهديد آخر للكفرة المجرمين، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته على مسخ الكفار بتطاول الأعمار فقال ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾ أي ومن نطل عمره نقلبه في أطوار منتكسا في الخلق فيصير كالطفل لا يعلم شيئا قال قتادة: يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا، فطول العمر يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا ﴿ أفلا يعقلون ﴾؟ أي أفلا يعقلون أن من قدر على ذلك قادر على إعمائهم أو مسخهم؟ قال ابن جزي: والقصد من ذلك الاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ أي وما علمنا محمدا الشعر، ولا يصح ولا يليق به أن يكون شاعرا قال القرطبي: هذا رد على الكفار في قولهم إنه شاعر، وإن ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر، والقرآن ليس بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف موزون، مبني على خيالات وأوهام واهية، حتى قيل " أعذبه أكذبه " فأين ذلك من القرآن العزيز الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر!! وقد أكثر الناس في ذم الشعر ومدحه، وإنما الإنصاف ما قاله الشافعي رحمه الله " الشعر كلام، والكلام منه حسن، ومنه قبيح " ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ﴾ أي ما هذا الذي يتلوه محمد إلا عظة وتذكير من الله جل وعلا لعباده، وقرآن واضح ساطع لا يلتبس به الشعر بحال من الأحوال ﴿ لينذر من كان حيا ﴾ أي لينذر بهذا القرآن من كان حي القلب مستنير البصيرة، وهم المؤمنون لأنهم المنتفعون به ﴿ ويحق القول على الكافرين ﴾ أي وتجب كلمة العذاب على الكافرين لأنهم كالأموات لا يعقلون ما يخاطبون به قال البيضاوي: وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم، أموات في الحقيقة.

. ثم ذكرهم تعالى بنعمه، وأعاد ذكر دلائل القدرة والوحدانية ليستدلوا على وجوده جل وعلا من آثاره فقال ﴿ أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما ﴾ الهمزة للإنكار والتعجيب أي أولم ينظروا نظر اعتبار، ويتفكروا فيما أبدعته أيدينا من غير واسطة، وبلا شريك ولا معين مما خلقناه لهم ولأجلهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، فيستدلوا بذلك على وحدانيتنا وكمال قدرتنا؟! ﴿ فهم لها مالكون ﴾ أي فهم متصرفون فيها كيف يشاءون تصرف المالك بماله ﴿ وذللناها لهم ﴾ قال ابن كثير: المعنى جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه وهو ذليل منقاد معه، وكذا لو كان القطار مائة بعير لسار الجميع بسير الصغير، فسبحان من سخر هذا لعباده!! ﴿ فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ﴾ أي فمن هذه الأنعام ما يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال كالإبل التي هي سفن البر، ومنها ما يأكلون لحمه كالبقر والغنم ﴿ ولهم فيها منافع ومشارب ﴾ أي ولهم فيها منافع عديدة - غير الأكل والركوب - كالجلود والأصواف والأوبار، ولهم فيها مشارب أيضا يشربون من ألبانها

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٦٦