تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم، ذكر ما وعد به المؤمنين من جنات النعيم فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وبين حسن النية وإخلاص العمل ﴿ لهم جنات النعيم ﴾ أي لهم على إيمانهم واستقامتهم على شريعة الله جنات الخلد يتنعمون فيها بأنواع الملاذ، من المآكل والمشارب والملابس، والنساء والحور العين، وسائر ما أكرمهم الله به من الفضل والإنعام، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿ خالدين فيها ﴾ أي دائمين في تلك الجنات، لا يخرجون منها أبدا، ولا يبغون عنها حولا ﴿ وعد الله حقا ﴾ أي وعدا من الله قاطعا، كائنا لا محالة، لا خلف فيه لأن الله لا يخلف الميعاد ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ أي هو تعالى العزيز الذي لا يغلبه شيء ليمنعه عن إنجاز وعده، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ثم نبه تعالى إلى دلائل قدرته، وآثار عظمته وجلاله لإقامة البراهين على وحدانيته فقال ﴿ خلق السموت بغير عمد ترونها ﴾ أي خلق السماوات في سعتها وعظمتها وإحكامها بدون دعائم ترتكز عليها، حال كونكم تشاهدونها كذلك واقفة من غير أن تستند على شيء، ولا تمسكها إلا قدرة الله العلي الكبير ﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ﴾ أي جعل فيها جبالا ثوابت لئلا تتحرك وتضطرب بكم فتهلككم بأن تقلبكم عن ظهرها، أو تهدم بيوتكم بتزلزلها قال الإمام الفخر: واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها، وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب المياه والرياح، ولو خلقها تعالى مثل الرمل لما كانت تثبت للزراعة، كما نرى الأراضي الرملية ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع، فهذه هي حكمة إرسائها بالجبال، فسبحان الكبير المتعال ﴿ وبث فيها من كل دآبة ﴾ أي ونشر وفرق في أرجاء الأرض من كل أنواع الحيوانات والدواب من مأكول ومركوب، مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها ﴿ وأنزلنا من السمآء مآء ﴾ أي وأنزلنا لحفظكم وحفظ دوابكم المطر من السحاب ﴿ فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ أي فأنبتنا في الأرض من كل نوع من النبات، ومن كل صنف من الأغذية والأدوية ﴿ كريم ﴾ أي كثير المنافع، بديع الخلق والتكوين ﴿ هذا خلق الله ﴾ أي هذا الذي تشاهدونه وتعاينونه أيها المشركون هو من مخلوقات الله، فانظروا في السماوات والأرض، والإنسان، والنبات، والحيوان، وسائر ما خلق الله ثم تفكروا في آثار قدرته، وبديع صنعته ﴿ فأروني ﴾ ثم أخبروني ﴿ ماذا خلق الذين من دونه ﴾ أي أي شيء خلقته آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من الأوثان والأصنام؟ وهو سؤال على جهة التهكم والسخرية بهم وبآلهتهم المزعومة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الواضح فقال ﴿ بل الظالمون في ضلال مبين ﴾ أي بل المشركون في خسران ظاهر، وضلال واضح ما بعده ضلال، لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وعبدوا ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، فهم أضل من الحيوان الأعجم، لأن من عبد صنما جامدا ، وترك خالقا عظيما مدبرا، يكون أحط شأنا من الحيوان.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:

1- وضع المصدر للمبالغة ﴿ هدى ورحمة للمحسنين ﴾.

2- الإشارة بالبعيد ﴿ تلك آيات ﴾ عن القريب ﴿ هذه ﴾ لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن.

3- الإطناب بتكرار الضمير واسم الإشارة ﴿ وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ﴾ لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي هم المفلحون لا غيرهم.

4- الاستعارة التصريحية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ شبه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥١٤