" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه "
الحديث ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أي لا تغيير لتلك الفطرة السليمة من جهته تعالى قال ابن الجوزي: لفظة لفظ النفي ومعناه النهي أي لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ أي ذلك هو الدين المستقيم ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي أكثر الناس جهلة لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا ﴿ منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ﴾ أي أقيموا وجوهكم أيها الناس على الدين الحق حال كونكم منيبين إلى ربكم أي راجعين إليه بالتوبة وإخلاص العمل، وخافوه وراقبوه في أقوالكم وأفعالكم، وأقيموا الصلاة على الوجه الذي يرضي الله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ أي ولا تكونوا ممن أشرك بالله وعبد غيره ثم فسرهم بقوله ﴿ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ﴾ أي من الذين اختلفوا في دينهم وغيروه وبدلوا فأصبحوا شيعا وأحزابا، كل يتعصب لدينه، وكل يعبد هواه ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ أي كل جماعة وفرقة متمسكون بما أحدثوه، مسرورون بما هم عليه من الدين المعوج، يحسبون باطلهم حقا قال ابن كثير: أي لا تكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة - مما عدا أهل الإسلام - فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومذاهب باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء ﴿ وإذا مس الناس ضر ﴾ أي وإذا أصاب الناس شدة وفقر ومرض وغير ذلك من أنواع البلاء ﴿ دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ أي أفردوه تعالى بالتضرع والدعاء لينجوا من ذلك الضر، وتركوا أصنامهم لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله تعالى، فلهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع ﴿ ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ﴾ أي ثم إذا أعطاهم السعة والرخاء والصحة وخلصهم من ذلك الضر والشدة، إذا جماعة منهم يشركون بالله ويعبدون معه غيره، والغرض من الآية التشنيع على المشركين، فإنهم يدعون الله في الشدائد، ويشركون به في الرخاء ﴿ ليكفروا بمآ آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ أمر على وجه التهديد أي ليكفروا بنعم الله، وليتمتعوا في هذا الدنيا فيسوف تعلمون أيها المشركون عاقبة تمتعكم بزينة الحياة ونعيمها الفاني ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ الاستفهام للإنكار والتوبيخ والمعنى: هل أنزلنا على هؤلاء المشركين حجة واضحة قاهرة على شركهم، أو كتابا من السماء فهو ينطق ويشهد بشركهم وبصحة ما هم عليه؟ ليس الأمر كما يتصورون، والمراد ليس لهم حجة بذلك ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ﴾ أي وإذا أنعمنا على الناس بالخصب والسعة والعافية استبشروا وسروا بها ﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ﴾ أي وإن أصابهم بلاء وعقوبة بسبب معاصيهم إذا هم ييأسون من الرحمة والفرج قال ابن كثير: وهذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله، إذا أصابته نعمة بطر، وإذا أصابته شدة قنط وأيس ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ﴾ أي أولم يروا قدرة الله في البسط والقبض، وأنه تعالى يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء ويضيق على من يشاء؟ فلا يجب أن يدعوهم الفقر إلى القنوط من رحمته تعالى ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ أي إن في المذكور لدلالة واضحة على قدرة الله لقوم يصدقون بحكمة الخالق الرازق ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ أي فأعط القريب حقه من البر والصلة وكذلك المسكين والمسافر الذي انقطع في سفره اعطه من الصدقة والإحسان قال القرطبي: لما تقدم أنه سبحانه يبسط الرزق ويقدر، أمر من وسع عليه الرزق أن يعطي الفقير كفايته، ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي عليه السلام والمراد هو وأمته ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذلك الإيتاء والإحسان خير للذين يبتغون بعملهم وجه الله ويريدون ثوابه ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية ﴿ ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ أي وما أعطيتم من أموالكم يا معشر الأغنياء على وجه الربا ليزيد مالكم ويكثر به، فلا يزيد ولا يزكو ولا يضاعف عند الله لأنه كسب خبيث لا يبارك الله فيه قال الزمخشري: هذه الآية كقوله تعالى