أمطر علينا حجارة من السمآء
[الأنفال: 32] وهو استعجال على جهة التكذيب والاستهزاء ﴿ ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب ﴾ أي لولا أن الله قدر لعذابهم وهلاكهم وقتا محدودا لجاءهم العذاب حين طلبوه ﴿ وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ أي وليأتينهم فجأة وهم ساهون لاهون لا يشعرون بوقت مجيئه ﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ﴾ تعجب من قلة فطنتهم ومن تعنتهم وعنادهم والمعنى: كيف يستعجلون العذاب والحال أن جهنم محيطة بهم يوم القيامة كإحاطة السوار بالمعصم، لا مفر لهم منها؟ ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم بهم فقال ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي يوم يجللهم العذاب ويحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، ومن جميع جهاتهم ﴿ ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ﴾ أي ويقول الله عز وجل لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا من الاستهزاء والإجرام، وسيء الأعمال، ثم لما بين تعالى حال المكذبين الجاحدين، أعقبه بذكر حال الأبرار المتقين فقال ﴿ يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة ﴾ خطاب تشريف للتحريض على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام أي يا من شرفكم الله بالعبودية له هاجروا من مكة إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان فيها، ولا تجاوروا الظلمة فأرض الله واسعة قال مقاتل: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة ﴿ فإياي فاعبدون ﴾ أي فخصوني بالعبادة ولا تعبدوا أحدا سواي ﴿ كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون ﴾ أي أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا دائما وأبدا في طاعة الله، وحيث أمرتم فهاجروا فإن الموت لا بد منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي جمعوا بين إخلاص العقيدة وإخلاص العمل ﴿ لنبوئنهم من الجنة غرفا ﴾ أي لننزلنهم أعالي الجنة ولنسكننهم منازل رفيعة فيها ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تجري من تحت أشجارها وقصورها أنهار الجنة ﴿ خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها إلى غير نهاية لا يخرجون منها أبدا ﴿ نعم أجر العاملين ﴾ أي نعمت تلك المساكن العالية في جنات النعيم أجرا للعاملين ﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ﴾ هذا بيان للعاملين أي هم الذين صبروا على تحمل المشاق من الهجرة والأذى في سبيل الله، وعلى ربهم يعتمدون في جميع أمورهم قال في البحر: وهذان جماع الخير كله: الصبر، وتفويض الأمر إليه تعالى ﴿ وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ﴾ أي كم من دابة ضعيفة لا تقدر على كسب رزقها ولكن الله يرزقها مع ضعفها ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ أي الله تعالى يرزقها كما يرزقكم، وقد تكفل برزق جميع الخلق، فلا تخافوا الفقر إن هاجرتم، فالرازق هو الله قال في التسهيل: والقصد بالآية التقوية لقلوب المؤمنين إذا خافوا الفقر والجوع في الهجرة من أوطانهم، فكما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم ﴿ وهو السميع العليم ﴾ أي هو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم، ثم عاد الحديث إلى توبيخ المشركين في عبادة غير الله فقال ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ﴾ أي ولئن سألت المشركين من خلق العالم العلوي والسفلي وما فيهما من العجائب والغرائب؟ ومن ذلل الشمس والقمر وسخرهما لمصالح العباد يجريان بنظام دقيق؟ ليقولون: الله خالق ذلك ﴿ فأنى يؤفكون ﴾ أي فكيف يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟ ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ﴾ أي هو جل وعلا الخالق وهو الرازق، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا، ويضيق الرزق على من يشاء ابتلاء، ليظهر الشاكر والصابر ﴿ إن الله بكل شيء عليم ﴾ أي إنه تعالى واسع العلم يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ﴿ ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ﴾ توبيخ آخر وإقامة حجة أخرى عليهم أي ولئن سألت المشركين من الذي أنزل المطر من السماء فأخرج به أنواع الزروع والثمار بعد جدب الأرض ويبسها؟ ليقولون: الله فاعل ذلك ﴿ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ أي قل يا محمد: حمدا لله على ظهور الحجة، بل أكثرهم لا يعقلون، حيث يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون غيره ﴿ وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب ﴾ أي وما الحياة في هذه الدنيا إلا غرور ينقضي سريعا ويزول، كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون ﴿ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ أي وإن الآخرة لهي دار الحياة الحقيقية التي لا موت فيها ولا تنغيص ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ أي لو كان عندهم علم لم يؤثروا دار الفناء على دار البقاء، لأن الدنيا حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضه، ولقد أحسن من قال