تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجادلنا في قوم لوط

[هود: 74] حيث قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا لا فقال لهم ﴿ إن فيها لوطا ﴾ فأجابوه بقولهم ﴿ نحن أعلم بمن فيها ﴾ ثم بشروه بإنجاء لوط والمؤمنين ﴿ لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ أي سوف ننجيه مع أهله من العذاب، إلا امرأته فستكون من الهالكين لأنها كانت تمالئهم على الكفر، ثم ساروا من عنده فدخلوا على " لوط " في صورة شبان حسان ﴿ ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ﴾ أي ولما دخلوا على لوط حزن بسببهم، وضاق صدره من مجيئهم لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم من قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه ﴿ وقالوا لا تخف ولا تحزن ﴾ أي لا تخف علينا ولا تحزن بسببنا، فلن يصل هؤلاء المجرمون إلينا ﴿ إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين ﴾ أي كانت من الهالكين الباقين في العذاب ﴿ إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون ﴾ أي منزلون عليهم عذابا من السماء بسبب فسقهم المستمر قال ابن كثير: وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وأرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، وجعل مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد ﴿ ولقد تركنا منهآ آية بينة ﴾ أي ولقد تركنا من هذه القرية علامة بينة واضحة، هي آثار منازلهم الخربة ﴿ لقوم يعقلون ﴾ أي لقوم يتفكرون ويتدبرون ويستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار، ثم أخبر تعالى عن قصة شعيب فقال ﴿ وإلى مدين أخاهم شعيبا ﴾ أي وأرسلنا إلى قوم مدين أخاهم شعيبا ﴿ فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر ﴾ أي فقال لقومه ناصحا ومذكرا: يا قوم وحدوا الله وخافوا عقابه الشديد في اليوم الآخر ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي لا تسعوا بالإفساد في الأرض بأنواع البغي والعدوان ﴿ فكذبوه فأخذتهم الرجفة ﴾ أي فكذبوا رسولهم شعيبا فأهلكهم الله برجفة عظيمة مدمرة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها ﴿ فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ أي فأصبحوا هلكى باركين على الركب ميتين ﴿ وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم ﴾ أي وأهلكنا عادا وثمود، وقد ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجاز واليمن آيتنا في هلاكهم أفلا تعتبرون؟ ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ أي وحسن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي حتى رأوها حسنة ﴿ فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ﴾ أي فمنعهم عن طريق الحق، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، لكنهم لم يفعلوا تكبرا وعنادا ﴿ وقارون وفرعون وهامان ﴾ أي وأهلكنا كذلك الجبابرة الظالمين، ﴿ قارون ﴾ صاحب الكنوز الكثيرة ﴿ وفرعون ﴾ صاحب الملك والسلطان، ووزيره ﴿ وهامان ﴾ الذي كان يعينه على الظلم والطغيان ﴿ ولقد جآءهم موسى بالبينات ﴾ أي ولقد جاءهم موسى بالحجج الباهرة، والآيات الظاهرة ﴿ فاستكبروا في الأرض ﴾ أي فاستكبروا عن عبادة الله وطاعة رسوله ﴿ وما كانوا سابقين ﴾ أي وما كانوا ليفلتوا من عذابنا قال الطبري: أي ما كانوا ليفوتونا بل كنا مقتدرين عليهم ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ﴾ أي فكلا من هؤلاء المجرمين أهلكناه بسبب ذنبه وعاقبناه بجنايته قال ابن كثير: أي وكانت عقوبته بما يناسبه ﴿ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ﴾ أي ريحا عاصفة مدمرة فيها حصباء " حجارة " كقوم لوط ﴿ ومنهم من أخذته الصيحة ﴾ أي ومنهم من أخذته صيحة العذاب مع الرجفة كثمود ﴿ ومنهم من خسفنا به الأرض ﴾ أي خسفنا به وبأملاكه الأرض حتى غاب فيها كقارون وأصحابه ﴿ ومنهم من أغرقنا ﴾ أي أهلكناه بالغرق كقوم نوح وفرعون وجنده ﴿ وما كان الله ليظلمهم ﴾ أي وما كان الله ليعذبهم من غير ذنب فيكون لهم ظالما ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أي ولكن ظلموا أنفسهم فاستحقوا العذاب والدمار، ثم ضرب تعالى مثلا للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله فقال ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ﴾ أي مثل الذين اتخذوا من دون الله أصناما يعبدونها في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتا لا يغني عنها في حر ولا برد، ولا مطر ولا أذى قال القرطبي: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ﴾ أي وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لتفاهته وحقارته، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ما عبدوها ﴿ إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ﴾ أي هو تعالى عالم بما عبدوه من دونه لا يخفى عليه ذلك، وسيجازيهم على كفرهم ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ أي وهو جل وعلا العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ أي وتلك الأمثال نبينها للناس في القرآن لتقريبها إلى أذهانهم ﴿ وما يعقلهآ إلا العالمون ﴾ أي وما يدركها ويفهمها إلا العالمون الراسخون، الذين يعقلون عن الله عز وجل مراده ﴿ خلق الله السموت والأرض بالحق ﴾ أي خلقهما بالحق الثابت لا على وجه العبث واللعب ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ أي إن في خلقهما بذلك الشكل البديع، والصنع المحكم لعلامة ودلالة للمصدقين بوجود الله ووحدانيته ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾ أي اقرأ يا محمد هذا القرآن المجيد الذي أوحاه إليك ربك، وتقرب إليه بتلاوته وترداده، لأن فيه محاسن الآداب ومكارم الأخلاق ﴿ وأقم الصلاة ﴾ أي دم على إقامتها بأركانها وشروطها وآدابها فإنها عماد الدين ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ﴾ أي إن الصلاة الجامعة لشروطها وآدابها، المستوفية لخشوعها وأحكامها، إذا أداها المصلي كما ينبغي، وكان خاشعا في صلاته، متذكرا لعظمة ربه، متدبرا لما يتلو، نهته عن الفواحش والمنكرات ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ أي ولذكر الله أكبر من كل شيء في الدنيا، وهو أن تتذكر عظمته وجلاله، وتذكره في صلاتك وفي بيعك وشرائك، وفي أمور حياتك ولا تغفل عنه في جميع شؤونك ﴿ والله يعلم ما تصنعون ﴾ أي يعلم جميع أعمالكم وأفعالكم فيجازيكم عليها أحسن المجازاة، قال أبو العالية: إن الصلاة فيها ثلاث خصال: الإخلاص، والخشية، وذكر الله؛ فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله - القرآن - يأمره وينهاه فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٠١