تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. الخ أي جاءته حال كونها تمشي مشية الحرائر بحياء وخجل قد سترت وجهها بثوبها قال عمر: لم تكن بسلفع من النساء خراجة ولاجة ﴿ قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ﴾ أي إن أبي يطلبك ليعوضك عن أجر السقاية لغنمنا قال ابن كثير: وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة ﴿ فلما جآءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾ أي فلما جاءه موسى وذكر له ما كان من أمره وسبب هربه من مصر قال له شعيب: لا تخف فأنت في بلد آمن لا سلطان لفرعون عليه وقد نجاك الله من كيد المجرمين ﴿ قالت إحداهما يأبت استأجره ﴾ أي استأجره لرعي أغنامنا وسقايتها ﴿ إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾ أي إن أفضل من تستأجره من كان قويا أمينا قال أبو حيان: وقولها كلام حكيم جامع لأنه إذ اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمر من الأمور فقد تم المقصود، روي أن شعيبا قال لها: وما أعلمك بقوته وأمانته؟ فقالت: إنه رفع الصخرةالتي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي ودليني على الطريق، ولما أتيته خفض بصره فلم ينظر إلي، فرغب شعيب في مصاهرته وتزويجه بإحدى بناته ﴿ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ أي إني أريد أن أزوجك إحدى بنتي هاتين الصغرى أو الكبرى ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ أي بشرط أن تكون أجيرا لي ثماني سنين ترعى فيها غنمي ﴿ فإن أتممت عشرا فمن عندك ﴾ أي فإن أكملتها عشر سنين فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك ﴿ ومآ أريد أن أشق عليك ﴾ أي وما أريد أن أوقعك في المشقة باشتراط العشر ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصالحين ﴾ أي ستجدني إن شاء الله حسن المعاملة، لين الجانب، وفيأ بالعهد قال القرطبي: في الآية عرض الولي ابنته على الرجل، وهذه سنة قائمة، عرض شعيب ابنته على موسى، وعرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الحسن عرض الرجل وليته على الرجل الصالح، اقتداء بالسلف الصالح ﴿ قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي ﴾ أي قال موسى: إن ما قلته وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعا لا نخرج عنه، وأي المدتين الثماني أو العشر أديتها لك فلا إثم ولا حرج علي ﴿ والله على ما نقول وكيل ﴾ أي والله شاهد على ما تعاهدنا وتواثقنا عليه ﴿ فلما قضى موسى الأجل ﴾ أي فلما أتم موسى المدة التي اتفقا عليها قال ابن عباس: قضى أتم الأجلين وأكملهما وأوفاهما وهو عشر سنين ﴿ وسار بأهله ﴾ أي ومشى بزوجته مسافرا بها إلى مصر ﴿ آنس من جانب الطور نارا ﴾ أي أبصر من بعيد نارا تتوهج من جانب جبل الطور ﴿ قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ﴾ أي قال لزوجته امكثي هنا فقد أبصرت نارا عن بعد قال المفسرون: كانت ليلة باردة وقد أضلوا الطريق، وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته، وأخذ أهله الطلق فعند ذلك أبصر نارا بعيدة فسار إليها لعله يجد من يدله على الطريق فذلك قوله تعالى ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ أي لعلي آتيكم بخبر الطريق وأرى من يدلني عليه ﴿ أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ﴾ أي أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها ﴿ فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ﴾ أي فلما وصل إلى مكان النار لم يجدها نارا وإنما وجدها نورا، وجاءه النداء من جانب الوادي الأيمن في ذلك المكان المبارك من ناحية الشجرة ﴿ أن يموسى إني أنا الله رب العالمين ﴾ اي نودي يا موسى إن الذي يخاطبك ويكلمك هو أنا الله العظيم الكبير، المنزه عن صفات النقص، رب الإنس والجن والخلائق أجمعين ﴿ وأن ألق عصاك ﴾ أي ونودي بأن اطرح عصاك التي في يدك ﴿ فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ﴾ أي فألقاها فانقلبت إلى حية فلما رآها تتحرك كأنها ثعبان خفيف سريع الحركة انهزم هاربا منها ولم يلتفت إليها قال ابن كثير: انقلبت العصى إلى حية وكانت كأنها جان في حركتها السريعة مع عظم خلقتها، واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فمها تتقعقع كأنها حادرة في واد، فعند ذلك ولى مدبرا ولم يلتفت، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك ﴿ يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ﴾ أي فنودي يا موسى: إرجع إلى حيث كنت ولا تخف فأنت آمن من المخاوف، فرجع وأدخل يده في فم الحية فعادت عصا ﴿ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ﴾ أي أدخل يدك في جيب قميصك - وهو فتحة الثوب مكان دخول الرأس - ثم أخرجها تخرج مضيئة منيرة تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق من غير أذى ولا برص ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ قال ابن عباس: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف يذهب عنك الرعب قال المفسرون: المراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه وبذلك يذهب عنه الخوف من الحية ومن كل شيء ﴿ فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ﴾ أي فهذان - العصا واليد - دليلان قاطعان، وحجتان نيرتان واضحتان من الله تعالى تدلان على صدقك، وهما آيتان إلى فرعون وأشراف قومه الطغاة المتجبرين ﴿ إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾ أي خارجين عن طاعتنا، مخالفين لأمرنا ﴿ قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ﴾ أي قال موسى يا رب إني قتلت قبطيا من آل فرعون وأخشى إن أتيتهم أن يقتلوني به قال المفسرون: هو القبطي الذي وكزه فمات، فطلب من ربه ما يزداد به قوة على مجابهة فرعون بإرسال أخيه هارون معه فقال ﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ﴾ أي هو أوضح بيانا، وأطلق لسانا، لأن موسى كان في لسانه حبسة من أثر الجمرة التي تناولها في صغره ﴿ فأرسله معي ردءا يصدقني ﴾ أي فأرسله معي معينا يبين لهم عني ما أكلمهم به بتوضيح الحجج والبراهين ﴿ إني أخاف أن يكذبون ﴾ أي أخاف إن لم يكن لي وزير ولا معين أن يكذبوني لأنهم لا يكادون يفقهون عني، قال الرازي: والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان، وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقت، أو يقول للناس: صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات، ويجادل به الكفار ﴿ قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا ﴾ أي أجابه تعالى إلى طلبه وقال له: سنقويك بأخيك ونعينك به، ونجعل لكما غلبة وتسلطا على فرعون وقومه ﴿ فلا يصلون إليكما بآياتنآ ﴾ أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب ما أيدتكما به من المعجزات الباهرات ﴿ أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾ أي العاقبة لكما ولأتباعكما في الدنيا والآخرة، وأنتم الغالبون على القوم المجرمين كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٨٩