تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم

[النساء: 160] ﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ﴾ أي ثم إن ربك يا محمد للذين ارتكبوا تلك القبائح بجهل وسفه ﴿ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ أي ثم رجعوا إلى ربهم وأنابوا وأصلحوا العمل بعد ذلك الزلل ﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ أي إنه تعالى واسع المغفرة عظيم الرحمة، والآية تأنيس لجميع الناس وفتح لباب التوبة ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ أي إن إبراهيم كان إماما قدوة جامعا لخصال الخير ولذلك اختاره الله لخلته ﴿ قانتا لله ﴾ أي مطيعا لربه قائما بأمره ﴿ حنيفا ﴾ أي مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق، دين الإسلام ﴿ ولم يك من المشركين ﴾ تأكيد لما سبق ورد على اليهود والنصارى في زعمهم أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ﴿ شاكرا لأنعمه ﴾ أي قائما بشكر نعم الله ﴿ اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ﴾ أي اختاره واصطفاه للنبوة وهداه إلى الإسلام وإلى عبادة الواحد الأحد ﴿ وآتيناه في الدنيا حسنة ﴾ أي جعلنا له الذكر الجميل في الدنيا ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ أي وهو في الآخرة من أصحاب الدرجات الرفيعة، وفي أعلى مقامات الصالحين ﴿ ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ لما وصف تعالى إبراهيم بتلك الأوصاف الشريفة أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملته والمعنى ثم أمرناك يا محمد باتباع دين إبراهيم وملته الحنيفية السمحة ﴿ وما كان من المشركين ﴾ أي وما كان يهوديا أو نصرانيا، وإنما كان حنيفا مسلما، وهو تأكيد آخر لرد مزاعم اليهود والنصارى أنهم على دينه ﴿ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ﴾ أي لم يكن تعظيم يوم السبت وترك العمل فيه من شريعة إبراهيم ولا من شعائر دينه، وإنما جعل تغليظا على اليهود لاختلافهم في الدين وعصيانهم أمر الله، حيث نهاهم عن الاصطياد فيه فاصطادوا فمسخهم قردة وخنازير ﴿ وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ أي وسيفصل الله تعالى بينهم يوم القيامة، فيجازي كلا بما يستحق من الثواب أو العقاب ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ أي أدع يا محمد الناس إلى دين الله وشريعته القدسية بالأسلوب الحكيم، واللطف واللين، بما يؤثر فيهم وينجع، لا بالزجر والتأنيب والقسوة والشدة ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ أي وجادل المخالفين بالطريقة التي هي أحسن ومن طرق المناظرة والمجادلة بالحجج والبراهين، والرفق واللين ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ أي إن ربك يا محمد هو العالم بحال الضالين وحال المهتدين.

فعليك أن تسلك الطريق الحكيم في دعوتهم ومناظرتهم، وليس عليك هدايتهم، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ أي وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم فعاملوه بالمثل ولا تزيدوا قال المفسرون: نزلت في شأن " حمزة بن عبد المطلب " لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم "

﴿ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ﴾ أي ولئن عفوتم وتركتم القصاص فهو خير لكم وأفضل، وهذا ندب إلى الصبر، وترك عقوبة من أساء، فإن العقوبة مباحة وتركها أفضل ﴿ واصبر وما صبرك إلا بالله ﴾ أي واصبر يا محمد على ما ينالك من الأذى في سبيل الله، فما تنال هذه المرتبة الرفيعة إلا بمعونة الله وتوفيقه ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي لا تحزن على الكفار إن لم يؤمنوا ﴿ ولا تك في ضيق مما يمكرون ﴾ أي ولا يضق صدرك بما يقولون من السفه والجهل، ولا بما يدبرون من المكر والكيد ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ أي مع المتقين بمعونته ونصره، ومع المحسنين بالحفظ والرعاية، ومن كان الله معه فلن يضره كيد الكائدين

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٦٧