تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعلنا لمهلكهم موعدا

[الكهف: 59] ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يجعلون له تعالى البنات مع كراهتهم لهن، وهو تأكيد لما سبق للتقريع والتوبيخ ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ أي يجعلون لله ما يجعلون ومع ذلك يزعمون أن لهم العاقبة الحسنى عند الله وأنهم أهل الجنة ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ أي حقا إن لهم مكان ما أملوا نار جهنم التي ليس وراء عذابها عذاب ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ أي معجلون إليها ومقدمون، ثم ذكر تعالى نعمته في إرسال الرسل ليتأسى صلوات الله عليه بهم في الصبر على تحمل الأذى فقال ﴿ تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ أي والله لقد بعثنا قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم فحسن الشيطان أعمالهم القبيحة حتى كذبوا الرسل وردوا عليهم ما جاءوهم به من البينات ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ أي فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا وبئس الناصر ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب مؤلم ﴿ ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ أي ما أنزلنا عليك القرآن يا محمد إلا لتبين للناس ما اختلفوا فيه من الدين والأحكام لتقوم الحجة عليهم ﴿ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾ أي وأنزلنا القرآن هداية للقلوب، ورحمة وشفاء لمن آمن به، ثم ذكر تعالى عظيم قدرته الدالة على وحدانيته فقال ﴿ والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض بعد موتهآ ﴾ أي أنزل بقدرته الماء من السحاب فأحيا بذلك الماء النبات والزرع بعد جدب الأرض ويبسها ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ أي إن في هذا الإحياء لدلالة باهرة على عظيم قدرته لقوم يسمعون التذكير فيتدبرونه ويعقلونه ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ أي وإن لكم أيها الناس في هذه الأنعام " الإبل والبقر والضأن والمعز " لعظة وعبرة يعتبر بها العقلاء، ففي خلقها وتسخيرها دلالة على قدرة الله وعظمته ووحدانيته ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ أي نسقيكم من بعض الذي في بطون هذه الأنعام ﴿ من بين فرث ودم لبنا خالصا ﴾ أي من بين الروث والدم ذلك الحليب الخالص واللبن النافع ﴿ سآئغا للشاربين ﴾ أي سهل المرور في حلقهم، لذيذا هينا لا يغص به من شربه ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ﴾ أي ولكم مما أنعم الله به عليكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تجعلون منه خمرا يسكر قال الطبري: وإنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت بعد ﴿ ورزقا حسنا ﴾ كالتمر والزبيب قال ابن عباس: الرزق الحسن: ما أحل من ثمرتها، والسكر: ما حرم من ثمرتها.

﴿ إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴾ أي لآية باهرة، ودلالة قاهرة على وحدانيته سبحانه لقوم يتدبرون بعقولهم قال ابن كثير: وناسب ذكر العقل هنا لأنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، ولما ذكر تعالى ما يدل على باهر قدرته، وعظيم حكمته من إخراج اللبن من بين فرث ودم وإخراج الرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ذكر إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من النحل، وهي حشرة ضعيفة وفيها عجائب بديعة وأمور غريبة، وكل هذا يدل على وحدانية الصانع وقدرته وعظمته فقال تعالى ﴿ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ المراد من الوحي: الإلهام والهداية أي ألهمها مصالحها وأرشدها إلى بناء بيوتها المسدسة العجيبة تأوي إليها في ثلاثة أمكنة: الجبال، والشجر، والأكوار التي يبنيها الناس ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي كلي من كل الأزهار والثمار التي تشتهينها من الحلو، والمر، والحامض، فإن الله بقدرته يحيلها إلى عسل ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللا ﴾ أي أدخلي الطرق في طلب المرعى حال كونها مسخرة لك لا تضلين في الذهاب أو الإياب ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس ﴾ أي يخرج من بطون النحل عسل متنوع منه أحمر، وأبيض، وأصفر، فيه شفاء للناس من كثير من الأمراض قال الرازي فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء؟ فالجواب أنه تعالى لم يقل: إنه شفاء لكل الناس، ولكل داء، وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأن فيه شفاء ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ أي لعبرة لقوم يتفكرون في عظيم قدرة الله، وبديع صنعه ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ أي خلقكم بقدرته بعد أن لم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ أي يرد إلى أردء وأضعف العمر وهو الهرم والخرف ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئا ﴾ أي لينسى ما يعلم فيشبه الطفل في نقصان القوة والعقل ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ أي عليم بتدبير خلقه، قدير على ما يريده، فكما قدر على نقل الإنسان من العلم إلى الجهل، فإنه قادر على إحيائه بعد إماتته قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ أي فاوت بينكم في الأرزاق فهذا غني وذاك فقير، وهذا مالك وذاك مملوك ﴿ فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء ﴾ أي ليس هؤلاء الأغنياء بمشركين لعبيدهم المماليك فيما رزقهم الله من الأموال حتى يستووا في ذلك مع عبيدهم، وهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين قال ابن عباس: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ الاستفهام للإنكار أي أيشركون معه غيره وهو المنعم المتفضل عليهم؟ ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ﴾ أي هو تعالى بقدرته خلق النساء من جنسكم وشكلكم ليحصل الائتلاف والمودة والرحمة بينكم ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أي جعل لكم من هؤلاء الزوجات الأولاد وأولاد الأولاد، سموا حفدة لأنهم يخدمون أجدادهم ويسارعون في طاعتهم ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ أي رزقكم من أنواع اللذائذ من الثمار والحبوب والحيوان ﴿ أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ﴾ أي أبعد تحقق ما ذكر من نعم الله يؤمنون بالأوثان ويكفرون بالرحمن؟ وهو استفهام للتوبيخ والتقريع ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموت والأرض شيئا ﴾ أي ويعبد هؤلاء المشركون أوثانا لا تقدر على إنزال مطر، ولا على إخراج زرع أو شجر، ولا تقدر أن ترزقهم قليلا أو كثيرا ﴿ ولا يستطيعون ﴾ أي ليس لها ذلك ولا تقدر عليه لو أرادت ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه تعالى لا مثل له ولا نظير ولا شبيه ﴿ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ أي يعلم كل الحقائق، وأنتم لا تعلمون قدر عظمة الخالق.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٦١