5.90-93
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الشطرنج من الميسر، رواه ابن أبي حاتم، قال مجاهد وعطاء: كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان، وقال ابن عمر وابن عباس: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال مالك: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين وقال الزهري: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه "
، وفي موطأ مالك عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من لعب النرد فقد عصى الله ورسوله "
، وأما الشطرنج فقد قال عبد الله بن عمر: إنه شر من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى، وأما الأنصاب فقال ابن عباس ومجاهد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فقالوا أيضا: هي قداح كانوا يستقسمون بها، وقوله تعالى: ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ ، قال ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان، وقال سعيد بن جبير: إثم، وقال زيد بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان، ﴿ فاجتنبوه ﴾ الضمير عائد على الرجس أي اتركوه، ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ وهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ وهذا تهديد وترهيب.
(ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر)
قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس
[البقرة: 219] إلى آخر الآية، فقال الناس ما حرما علينا، إنما قال:
فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس
[البقرة: 219] وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ ، فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغبق، ثم أنزلت آية أغلظ منها: ﴿ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ قالوا: انتهينا ربنا، وقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان فأنزل الله تعالى: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم "
، وقال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في البقرة:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير
[الآية: 219]، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى
[الآية: 43]، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: حي على الصلاة نادى: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ، قال عمر: انتهينا انتهينا. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل. وقال البخاري عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب.