تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.6

قال كثيرون من السلف في قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ يعني وأنتم محدثون، وقال آخرون إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله، قال:

" إني عمدا فعلته يا عمر "

رواه مسلم وأهل السنن.

وقال ابن جرير عن الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه، وفي فعل ابن عمر ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك كما هو مذهب الجمهور.

وكان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ الآية.

وقال ابن جرير عن أنس قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة، أما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك، فعن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث. وقد رواه البخاري وأهل السنن. وقال ابن جرير عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات ".

وقال ابن جرير، وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ، وعن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ الآية، وقال أبو داود عن عبد الله بن عباس:

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة "

وقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب إذا رأيت الأمير فقم،. أي له. وقد ثبت في الصحيحين حديث:

" الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى "

، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "

، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده "

وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولا، ومن الإذن إلى الإذن عرضا، ويستحب للمتوضىء أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة.

قال أبو داود عن أنس بن مالك:

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: " هكذا أمرني به ربي عز وجل "

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٤٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٤٢٦