تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وافطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا "

فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه: لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى:

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

[الأعراف: 21] وقال:

والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما

[الفرقان: 67] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط. ولهذا قال: ﴿ لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ ثم قال: ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ﴾ أي في حال كونه حلالا طيبا، ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في جميع أموركم واتبعوا طاعته ورضوانه واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾.

5.89

قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة؛ وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد (لا والله، وبلى والله). وهذا مذهب الشافعي، وقيل: هو في الهزل، وقيل: في المعصية، وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقيل: في اليمين في الغضب، وقيل: في النسيان، وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: ﴿ لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ ، والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ قال ابن عباس: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم، وقال عطاء: من أمثل ما تطعمون أهليكم. وقد كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ أي من الخبز والزيت. عن ابن عمر في قوله: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز واللحم. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ ، أي في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال علي: يغديهم ويعشيهم، وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما فإن لم يجد، فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه، لما روي عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر؛ وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا لكل واحد منهم، وقال أحمد: مد من بر أو مدان من غيره والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال الشافعي رحمه الله: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك، وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه والله أعلم، وقال الحسن: ثوب ثوب، وقال الثوري: عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها.

وقوله: ﴿ أو تحرير رقبة ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزىء الكافرة كما تجزىء المؤمنة، وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة، وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب، ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه ذكر أن عليه عتق رقبة وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٤٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٤٧٠