ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون
[المائدة: 56]. وقال الإمام أحمد عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " قد كنت أنهاك عن حب يهود " ، فقال عبد الله فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات، وكذا رواه أبو داود.
5.54-56
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة: إنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله سيستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم
[محمد: 38]، وقال تعالى:
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين
[النساء: 133]، وقال تعالى:
إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز
[إبراهيم: 19-20] أي بممتنع ولا صعب. وقال تعالى ههنا: ﴿ يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ﴾ أي يرجع عن الحق إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش، وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر. ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، وقال ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" هم قوم هذا "
، ورواه ابن جرير بنحوه. وقوله تعالى: ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدكم متواضعا لأخيه ووليه متعززا على خصمه وعدوه كما قال تعالى:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]، وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه، قتال لأعدائه. وقوله عز وجل: ﴿ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد. قال الإمام أحمد عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال:
" أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش "
وقال الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم "
وقال أحمد عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس: فيقول: إياي أحق أن تخاف "
، وثبت في الصحيح:
" " ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: " يتحمل من البلاء ما لا يطيق "
، ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء ﴾ أي من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له، ﴿ والله واسع عليم ﴾ أي واسع الفضل عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه.
وقوله تعالى: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين، وقوله: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين، وأما قوله: ﴿ وهم راكعون ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء. قال السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ كما قال تعالى: