وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الدال على الخير كفاعله "
، وفي الصحيح:
" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ".
5.3
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله عز وجل، ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر؟ فقال:
" هو الطهور ماؤه، والحل ميتته "
وقوله: ﴿ والدم ﴾ يعني به المسفوح كقوله:
أو دما مسفوحا
[الأنعام: 145]، قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال؟ فقال: كلوه. فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. وعن عائشة قالت: إنما نهي عن الدم السافح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال "
وقال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة وهو (صدي بن عجلان) قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم؛ فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا: هلم يا صدي، فكل، قال قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ الآية، وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:
وإياك والميتات لا تقربنها
ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا
أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة.
قوله تعالى: ﴿ ولحم الخنزير ﴾ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق " الظاهرية " في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله:
فإنه رجس أو فسقا
[الأنعام: 145] يعنون قوله تعالى:
إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس
[الأنعام: 145] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد. وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه "
، فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به!؟ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره. وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " ، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام "
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم. وقوله: ﴿ ومآ أهل لغير الله به ﴾ أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام، لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع.