5.70-71
يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه ولهذا قال تعالى: ﴿ كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون * وحسبوا ألا تكون فتنة ﴾ أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم أي مما كانوا فيه، ﴿ ثم عموا وصموا ﴾ أي بعد ذلك، ﴿ كثير منهم والله بصير بما يعملون ﴾ أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم.
5.72-75
يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، - تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا - هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال:
إني عبد الله
[مريم: 30]، ولم يقل إني أنا الله ولا ابن الله، بل قال:
إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا
[مريم: 30]، وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿ وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله ﴾ أي فيعبد معه غيره ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ﴾ أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48، 116]. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في الناس:
" إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة "
وفي لفظ " مؤمنة " ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. وقوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ ، الصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، وهي كقوله تعالى:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك
[المائدة: 116] الآية، وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم.
قال الله تعالى: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ أي ليس متعددا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدا لهم ومتهددا: ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ﴾ أي من هذا الافتراء والكذب ﴿ ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال: ﴿ أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾؟ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.
وقوله تعالى: ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ﴾ أي له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال:
إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل
[الزخرف: 59]، وقوله: ﴿ وأمه صديقة ﴾ أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة (أم إسحاق) ونبوة (أم موسى) ونبوة (أم عيسى) استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: