وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خشعين لله
[آل عمران: 199] الآية، وهم الذين قال الله فيهم:
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين
[القصص: 53]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون، ﴿ وذلك جزآء المحسنين ﴾ أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ ﴾ أي جحدوا بها وخالفوها، ﴿ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ أي هم أهلها والداخلون فيها.
5.87-88
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني "
، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
" ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "
وعن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت علي اللحم، فنزلت: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ ، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا نساء فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ الآية، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وعن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله: أدن. فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فأطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ الآية.
وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه ولا كفارة عليه أيضا لقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ﴾ ، ولأن الذي حرم اللحم على نفسه لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام (أحمد بن حنبل) إلى أن من حرم مأكلا أو مشربا أو ملبسا أو شيئا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم
[التحريم: 1] ثم قال:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2] الآية. وكذلك ها هنا لما ذكر هذا الحكم عقبة بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم. وقال ابن جرير: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية. وقال ابن جريج عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ ، يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: