تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالهداية من عند الله، ونحن لا نعلم متى يستجيب المدعو، لكن على الأقل سيتأثر قلبه، ويعلم أنه مخطئ، هذه ثمرة من ثمرات الدعوة لكنها ثمرة مخفية لا تظهر في الحال ويرجى بإذن الله أن تثمر في المستقبل.

فالإنسان الذي يحس أنه مخطئ أفضل بلا شك من الذي يرى نفسه على صواب، فالأول قلبه متغير نحو هذا المنكر، لا يقر المنكر ويقول: أنا على خطأ، والثاني الأخطر والأشد جرماً الذي قلب المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، أصبح ما يفعله هو الصواب، وما تقوله له أنت هو الخطأ.

ولذلك يريد أعداء الإسلام أن يفعل الناس المنكر، وليس هذا فقط بل يفعلونه ويرونه صواباً، فالذي يأكل الربا وهو يعلم انه مخطئ، خير من الذي يأكله ولا يرى به بأساً، والمتبرجة التي تعلم خطأها خير من التي تقول: "هذه حرية، وهذا الذي ينبغي أن يكون، والناس كلها تتقدم وأنتم تتخلفون".

هذا من الممكن أن يوصلها إلى الكفر والعياذ بالله، بل هذا فعلاً من الكفر، إذا كانت قد بلغتها الحجة، واعتقاد القلب وعمله وانقياده من أعظم أركان الإيمان، فإحداث النكاية في قلب العاصي من أثر الدعوة، وهو يحافظ على قول القلب وعمله وإن كان ضعيفاً لا يستطيع التأثير في الجوارح.

فإذا نظرنا في تاريخنا الإسلامي، وبالتحديد في تاريخ الصحابة رضي الله عنهم، نجد خالد بن الوليد مثلاً أسلم بعد عشرين سنة، كان خلالها يحارب الإسلام، وكذلك عمرو بن العاص أسلما بعد صلح الحديبية وغيرهما كثير.

فبقاء الدعاة إلى الله في مثل تلك القرية يكون لأحد الهدفين:

الأول: أن يوجد أناس لم تبلغهم الدعوة، فبقاء الدعاة من أجل إبلاغهم الدعوة.

الثاني: استجابة قلوب البعض كلياً وبسرعة أو جزئياً ولو بعد مدة.

والذي يجعل الصغير والكبير يفعل المنكرات، أنه يجد في كل الناس منكراً منتشراً بشكل عادي، فلو أن كل من شتم أو سب أو قذف وجد من يقول له: اتق الله، وهذا حرام، لن ينشأ الصغير متعوداً على سب الدين، أو سب الأم والأب واستعمال ألفاظ القذف والاتهام بالزنا والفواحش وكل منها يستوجب حداً، وربما يرتكب الواحد منهم عدة جرائم كبرى في لحظة واحدة مما يستوجب عدداً من الحدود، فإذا وجد من يقول: اتقوا الله، لن يكون الأمر بسيطاً وطبيعياً عند الناس ولن يهون في نظرهم.

مثلاً لا يوجد في مجتمعنا اليوم شاباً يقبل فتاة في الطريق، ولكن قد يحدث في بعض الأماكن الأخرى، فلو لم ينكر الناس عليهم فسنجد بعد عدة أعوام رجالاً يقبلون نساءً في الطرقات، أما لو قلنا لهم اتقوا الله، هذا حرام سيخجلون، أما سكوتنا نحن فهو الحياء المذموم والخجل غير الشرعي.

(6)

قال تعالى: ( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) [الأعراف:165]، عندما تركوا ما ذكروا به أنجى الله الذين ينهون عن السوء، فذكر ربنا نجاة الدعاة إلى الله من العذاب العام بسبب دعوتهم، )وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ(، يبين سبحانه أن الظلمة عذبوا عذاباً شديداً بفسقهم.

فأين الساكتون؟ أين الذين قالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ سكت عنهم القرآن كما سكتوا عن الدعوة، سكت الله عن الساكتين عن الحق، ولذلك اختلف العلماء فيهم، فمنهم من قال: نجوا لأنهم كرهوا المنكر، فمن كره المنكر وعرف أنه منكر فهذه أول خطوات النجاة، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجع عن القول بهلاكهم، قال حماد بن زيد عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في الآية، قال: "ما أدري أنجا الذين قالوا )لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا(، أم لا؟"، قال: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة،

قال ابن كثير رحمه الله: "ولكن رجوعه أي ابن عباس إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا (يعني قوله الأخر بهلاكهم). لأنه تبين حالهم بعد ذلك والله أعلم.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٩٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٩٩٥