تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه بعض أضرار الربا وآثاره كما نشاهدها ونعايشها، فما بال أناس من بني جلدتنا يفرضون علينا الربا في عقر دارنا ويجعلونه ركناً أساسياً لا يتصورون قيام اقتصاد ولا إحداث نهضة تنموية من غير الاعتماد عليه، وما بال بعض المشايخ يبيح الربا لولي أمره أو لا ينكر عليه ذلك لأنه – حسب تصوره - ليس هو الربا الذي كان سائداً أيام جاهلية العرب عند بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاعتبر البنوك الربوية وأعمالها حلالاً مائة بالمائة، وتهاون في القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيال هذا الجرثوم العظيم الذي أضاع الكثير من مقدرات الأمة وثرواتها وكبل نمو اقتصادياتها. ولن نقف طويلاً عند ترهات الذين قدموا تجارب الغرب والدول الآسيوية ونهضتها الاقتصادية بحلوها ومرها نموذجاً يجب تتبع خطاه في كل صغيرة وكبيرة دون النظر إلى ما عند الأمة من ثوابت ثم عواقب ومآلات الأضرار التي يحدثها تطبيق الربا في اقتصاديات هذه الدول، فهذا الصنف من الناس لشدة ولوعهم وتقليدهم لنموذجهم المفضل لا نظن أنهم سيستخدمون عقولهم لإدراك ما نكتبه أو يكتبه غيرنا إلا إذا حدث تغيير جذري في طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع مثلهم الأعلى.

وأخيراً ما بال آخرين بدأوا يتساهلون في مسألة الإفتاء بجواز بعض صور الربا المحرمة، مثل القروض العقارية (Mortgage) أو "المورغج" اللعين على حد تعبير الدكتور علي السالوس - حفظه الله -، وخاصة في بلاد الغرب بحجة الضرورة أو أن أبا حنيفة - رحمه الله -أباح التعامل بالعقود الفاسدة في غير دار الإسلام.

لهؤلاء وأولئك نقول: اتقوا الله في هذه الأمة وفي ثوابتها في مسألة الربا وغيرها من المسائل العظام فإن طريقكم هذا أحدث بلبلة عظيمة وهز كثيراً من المسلمات والقناعات لدى فئات كثيرة من الناس. فإن كنتم تتصورون أن في الأمر تيسيراً وتسهيلاً لحل المشاكل التي تعاني منها الجالية في بلاد المهجر نقول: ما هكذا يا سعد تورد الإبل، فإن كان ظاهر الأمر مثل ما تتصورون فإن حقيقته وعاقبته ومآله غير ذلك، لأن مصير الربا إلى قل ومحق وإن علا وانتفش. فلا يزال في الأمر متسع وبدائل وإن كان كثير منها فيه مشقة وعنت كما يظهر لنا بتقديرنا نحن البشر المتأثرين بضغوط الواقع من حولنا، فهذا أقل ما يمكن أن نصبر على مشاقة وتبعاته في زمن أصبح المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر. وعلى أية حال لي عودة إن شاء الله لهذا الموضوع لزيادة بيانه وتفصيله، فلعل الله ييسر أمر تنقيح ما عندي من مادة وإخراجها في كتيب تعميماً للفائدة وإبراء للذمة، ولا أملك إلا أن أختم هذا الموضوع بما ختم الله به الآيات التي تحدثت عن الربا في سورة البقرة، فيقول عز من قائل: ]واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون[ [البقرة:280]...

----------------------------------------

(1) - المحق: النقص وذهاب البركة، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه، و ] يمحق الله الربا[، أي يستأصل الله الربا فيذهب ريعه وبركته، وعن ابن عباس قال عند هذه الآية: "لا يقبل الله منه صدقة ولا حجاً ولا جهاداً ولا صلة"، وروى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قُل" اهـ [لسان العرب: 10/338، القرطبي: 2/364].

(2) - نقل القرطبي في تفسيره عن خُويز منداد قوله: "ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله - تعالى - قد أذن في ذلك فقال: ]فأذنوا بحرب من الله ورسوله[.." اهـ [القرطبي: 2/364]

(3) - قال - تعالى -: [فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] [البقرة: 274].

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩١٦