تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توافر المواد يخفض سعرها ، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عم الرخاء ، هناك بعض المواد حينما كانت ممنوعة كان سعرها مضاعفاً فلما سُمح باستيرادها وأصبحت مبذولة بين أيدي الناس انخفض سعرها إلى النصف .

الإنسان حينما يوظف أمواله في مشروعات إنتاجية يسهم بشكل أو بآخر بخفض الأسعار ، والأسعار إذا انخفضت اتسعت شريحة المستفيدين فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عم الرخاء .

فلو أن إنساناً أسس مشروعاً بقرض ربوي هل يستطيع أن يبيع سلعته بسعر يساوي سعر مشروع أسس من دون قرض ربوي ، سؤال دقيق ؟ فهذان مشروعان بحجم واحد ، في اختصاص واحد ، بسلعة واحدة .

مشروع أسس بقرض ربوي بحسب التكاليف وأحد هذه التكاليف الفائدة ، وَضَعَ التكاليف ووضَع هامشَ ربحٍ وطرحَ السلعة في السوق .

المشروع الثاني القرض حسن غير ربوي ، وضعَ التكاليف ووضَع هامش الربح وطرحَ السلعة في السوق أيّ السلعتين أعلى سعراً ؟ سلعة المشروع الربوي . هذا بشكل مبسط.

أيّ مشروع بني على قرض ربوي يطرح سلعه بأسعار مرتفعة ، الربا من هذه الزاوية يسهم برفع السعر وإذا أسهم برفع السعر قلت نسبة المنتفعين وإذا قلت نسبة المنتفعين اضطر المنتج أن يخفض إنتاجه ، انظروا إلى هذه الحلقة المفرغة ، انخفض الإنتاج .

هناك قصة ترويها كتب الاقتصاد ، الكساد الخطير الذي كان في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين والذي كان في أوربا ، طفل صغير كادَ يموت من البرد سأل أباه : أين الفحم يا أبتِ ؟ فوالده فصل من عمله لماذا ؟ لأنه يوجد كساد بالفحم في المناجم ولا يوجد بيع فاستغنوا عن العمال ، فلما سأل الابن أباه لماذا لا يوجد عندنا فحم ؟ قال يا بني لكثرة الفحم ، ليس عندنا فحم نتدفَّأ به لوفرة الفحم في المعامل ، فالفحم متوافر لأنَّ سعره مرتفع فصار كساد وصارت بطالة ، والذي ترك عمله ليس في إمكانه أن يشتري فحماً يتدفَّأ به .

القضية خطيرة جداً قضية قوانين اقتصادية ، هذا المحور المخروط ؛ انتبهوا إليه ، كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة ، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج والبضائع تتكدس في المستودعات ويخفضون الإنتاج وإذا خفض الإنتاج استغنوا عن العمال ووقعت بطالة.

أخطر شيء في الربا أنه يصرف الناس إلى استثمار أموالهم بطريقة الربا المريحة ويبعدهم عن استثمارها بالمشروعات الناجحة هذا أول شيء ، كانوا قبل سنوات عديدة يقيسون قوة الدولة الاقتصادية بمدى التغطية الذهبية لعملتها الورقية وهذا المقياس أصبح فاسداً ، أما الآن فالقوة الاقتصادية في أمة هي القدرة على الإنتاج ، إذا كان عندها منتجات وتصدر أكثر مما تستورد فهذا البلد أو هذه الأمة قوية ، إذاً الربا يسهم في صرف الأموال لا إلى مشروعات إنتاجية نافعة، بل إلى الاستثمار عن طريق الفائدة وهذا يسهم في رفع الأسعار وفي قلة المستفيدين من منتجات زراعية أو صناعية أو خدمات وهذا يؤدي إلى البطالة .

أحد العلماء الاقتصاديين في العالم الغربي يقول : إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى .

تصور إنساناً لا يعمل ، يستيقظ الساعة الثانية عشرة ظهراً ، لأن أمواله مستثمرة في مشروع ربوي وربحه ثابت لا يهمه نزول مطر أو لا . ويقول بلا مطر أفضل ولا يهمه كساد ولا يهمه رواج ، لا يهمه تقدم الأمة ، فربحه ثابت ، لذلك أقسى قلب هو قلب المرابي أو الذي يستثمر ماله عن طريق الربا لأنه لا يوجد عنده مشكلة .

أما المزارع ؛ فقد أقسم لي بعضهم أن بعض المزارعين حينما هطلت الأمطار انهمرت مع الأمطار دموعهم فرحاً بهذه الأمطار ، ترى المزارع متعلقاً برحمة الله ، التاجر يشتري البضاعة ويقول : يا جبار تخرج من أعماق قلبه ، مرة قلت لتاجر هذا القماش جميل فقال لي : ليس القماش جميل ولكن الذي يباع هو الجميل .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٦٤