تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا عجزت المدارس الاقتصادية في تبرير الفوائد الثابتة، واختلفت الأنظمة في العالم في تحديدها..

وأقوى تبرير قدمه البعض للربا ما يذكره الكاتب الشهير أبو الأعلى المودودي في كتابه الربا، حيث يقول: إن تحريم الربا شيء يتعلق بالعواطف أكثر مما يتعلق بالحقيقة، بل لا علاقة له بالحقيقة أصلاً، وأن ليس إقراض أحد غيره شيئاً من المال دونما شيء من الربا إلاّ سماحة خلقية قد شط الدين وجاوز حد الفطرة، إذ طالب بها الناس بمثل هذه الشدة والتأكيد. وإن الربا شيء معقول من الناحية المنطقية، وأمر نافع لا مندوحة عنه للإنسانية، وإنه لا يقبل أي إعتراض من الناحية الاقتصادية. (1)

هذه خلاصة التبرير الذي يقدمه النظام الاقتصادي القائم على أساس الربا اليوم، ولنا عليه ملاحظات شتى:

أولاً: لا يمكن فصل الاقتصاد عن سائر شؤون البشر، حيث إن الإنسان كل لا يتجزأ، ونظرتنا الى الإنسان تؤثر في نظرتنا الى الاقتصاد..

وأهم ميزة للانسان حياته الاجتماعية، وإنما قامت الحضارات الشامخة في تاريخه على قاعدة القيم الاجتماعية، فإذا نزعناها فإن أسس بقاء الإنسان فوق هذا الكوكب يتزعزع، بل وينهار. واليوم مع تقدم العلم وتنوع وسائل الفتك الجماعي وازدياد وسائل القهر والابتزاز، تزداد الحاجة إلى الخلق الكريم. والإحسان صفة إنسانية لا يمكن بقاء البشر من دونه.

والإحسان يبدء من إهتمام الوالدين بالطفل، وينتهي الى إحساس كل فرد بضرورة مساعدة المحتاج. وإذا كنت تملك فائض الثروة (ويسمى بالعفو في لغة القرآن) وكان غيرك يحتاجها، فمن واجبك الإنساني أن تعطيه؛ سواءً إنفاقاً أو قرضاً.

ومن العجب إن الدول الرأسمالية تفرض على رعاياها مبالغ طائلة من الضرائب، وهي لا تعترف بواجب الإحسان.

ثانياً: في مجتمع يحرم الربا تبقى ثروات عائمة كثيرة، فإما تجد طريقها الى التجارة أو المضاربة، أو تختزن لحين الحاجة. فما أجملها أن نقضي بها حاجة الفقراء والمنكوبين، لماذا لا؟ وهم نعم الحفظة للثروة، أوَ ليسوا أفضل من صناديق الحديد؟

قد يقال إذاً نخاطر بها عندهم، إذ قد تذهب أدراج الرياح. نقول: بلى؛ ولكنها لا تذهب عند الله الذي قال سبحانه: (يَمْحَق الله الرِّبا وَيَرْبي الصَّدَقَات(. والإنسان إذا دفع لأخيه قرضاً ثم لم يستطع الوفاء به، يمكنه أن يعتبره زكاة ماله. أوَ ليس الواجب عليه دفع شيء من ماله زكاة؟

ثم يمكن للمقرض أن يستوثق من المدين قبل دفع الدين له بالرهن أو الضامن أو أي نظام آخر.

ثالثاً: لقد إستمرت الحضارة الإسلامية قروناً متطاولة، وقد إتسعت رقعة نفوذها حتى شملت شعوباً كثيرة في أربعة قارات، وكان اقتصادها خالياً من الربا، بل ومما يؤدي الى الربا من الذارئع المختلفة، وكان اقتصاداً مزدهراً مما دلّ على أن الربا لم يكن ضرورة في البنية الاقتصادية.

رابعاً: لقد سبق الحديث أن الربا يوقف حركة النمو في المجتمع، لأنه يكرس الطبقية، ولأن الفقراء يزدادون بسببه فقراً، ولذلك فهم يفقدون القوة الشرائية، وبالتالي لا يساهمون في النمو الاقتصادي. بينما القرض يسبب في تنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد، ويزداد الفقراء غنى، ولا يبخس الأغنياء حقهم.

وكلمة أخيرة؛ الحديث عن الربا ودوره السلبي، والقرض الحسن ودوره الإيجابي، حديث مفصّل ونكتفي في هذه الدراسة بما أسلفنا، عسى الله أن يوفقنا للمزيد من البحث في مناسبات أخرى، والله المستعان.

=================

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٨٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٨٤٤