وعندما تطرح الشركة أو الدولة أسهماً أو سندات للاكتتاب العام فإنها تلجأ إلى بنك يكون وسيطا بين الجمهور الذي يكتتب في الأسهم والسندات وبين الشركة أو الدولة التي تصدر هذه الأوراق، ويتقاضى البنك عمولة نظير هذه الوساطة(3).
حكم تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض:
لأجل تبسيط صورة هذا الموضوع أضْرِب مثلاً، فأقول: لو أن مسلماً عقد عقداً ربوياً وقبض المعقود عليه، وليكن أسهماً قبضها بعقد ربوي ووضعت في محفظته(4)، ولم يضارب بها، ورغب في أرباحها ثم استحقت الأرباح، فهل يملك تلك الأسهم بالقبض؟ ولمِن تكون هذه الأرباح المقبوضة بعقد ربوي ؟
هل تكون لمشتري تلك الأوراق المالية بعقد فاسد أو للمالك الأصل (البائع) وهي (الشركة مصدرة تلك الأوراق) بناء على أن المقبوض بعقد فاسد لا يملك؟
ولأجل معرفة لمن الأرباح؟ لابد من معرفة لمن الأصل(السهم المقبوض بعقد ربوي) أي هل تملك تلك الأوراق المالية بالقبض أو لا ؟
هذه المسألة من النوازل الفقهية التي لم يتطرق لها الفقهاء السابقون بحثاً وتدليلاً، ولكن أصولها موجودة في كتبهم، فإن هذه المسألة تعود إلى مسألة( ملكية المقبوض بعقد فاسد ) فيكون التخريج عليها.
فيقال: إن العلماء اختلفوا في تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية(5)، والشافعية(6)، والحنابلة(7)، وبعض الحنفية(8) إلى أن العقود الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، بل هي مفسوخة أبداً، وعلى قولهم هذا فلا تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض، ويجب فسخ العقد وردها .
جاء في "المدونة" عن ابن وهب قال:( وسمعت مالكاً يقول الحرام البين من الربا وغيره يرد إلى أهله أبداً فات أو لم يفت(9))(10).
وقال ابن عبد البر: ( قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبداً، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: "وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ" [البقرة:279].
ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (11).
وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا) (12).
وقال السرخسي من الحنفية:( إن الربا... لا يكون موجباً للملك بكل حال) (13).
القول الثاني:
ذهب جمهور الحنفية(14) إلى أن العقود الفاسدة ومنها الربا تملك إذا اتصل بها القبض، ولكنه ملك خبيث يجب فسخه، فإن تصرف به ببيع أو هبة أو نحوه صح، وعليه فإن الأوراق المالية الربوية تملك عند جمهور الحنفية إذا اتصل بها القبض، لكنها ملك خبيث يجب عليه رد الربا على من أربى عليه.
والراجح في هذه المسألة -والله أعلم- أن الأوراق المالية الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، ويجب فسخ ما قبض منها، فيرد الأوراق المالية إلى بائعها، ويسترد ثمنها إن أمكن، وإلا يتخلص منها بالبيع(15).
و الأدلة على هذا كثيرة ومن أقواها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ((جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أين هذا؟)) فقال بلال : تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك : ((أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به)) (16)، وفي رواية لمسلم : ((فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا)) (17).
ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالرد ولم يقره على هذا العقد الربوي، بل أمر بفسخه مع اتصال القبض به.