تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل ترون أن هناك أموراً وضوابط لا بد أن يتعرف عليها المتعاملون في أي سوق تجاري ؟

أهم ما يجب تعلمه على المشتغلين بالسوق: التفقه في مسائل البيع والشراء، ولهذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا " بل استدل بعض المفسرين ومنهم القرطبي على ما قرره عمر بقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وعلق القرطبي على هذه الآية بقوله: "لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة"، وكثير من الممارسات الخاطئة الواقعة في أسواق المسلمين سببها الجهل بأحكام التجارة، وإن كان الدافع الأكبر لها هو الهوى وحب المال الذي يعمي ويصم .

يفتقد الناس الطرح التربوي الاقتصادي لمعالجة قضايا التعامل الساخنة بين المتعاملين في المجال الاقتصادي.

في الواقع هذا الطرح موجود، ولكنه بشكل محدود جداً, وينبغي تفعيل هذا الطرح، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل على جميع المستويات، فمراعاة الجانب التربوي هي من صميم وظيفة الأنبياء والرسل، ولهذا نجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطى هذا الجانب حقه من الاهتمام، ففي مجال السوق والبيع والشراء نجده عليه الصلاة والسلام يدخل السوق بنفسه, ويراقب سلوك الباعة, ويقوِّم ما اعوج منها بأسلوبه الحكيم, ولهذا حين دخل مرة السوق, ومر على صبرة طعام، أدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال ما هذا يا صاحب الطعام ؟ فقال : أصابته السماء يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني، والحديث في صحيح مسلم. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض" وفي صحيح مسلم"ولا يسم الرجل على سوم أخيه " فهذه الأحاديث القولية, والعملية, كلها تغرس في نفس المسلم حس المراقبة، وتحمله على الأخلاق الفاضلة في السوق وخارجها، ولهذا ورث منه أصحابه الكرام هذا الأسلوب التربوي العملي, فكان عمر يمارس هذا الأسلوب ذاته، فقد روي عنه أنه دخل السوق مرة، فرأى رجلا يحمّل جمله أكثر من طاقته، فقال له عمر منكراً عليه: "حمّلت جملك ما لا يطيق!" ومرة دخل السوق فمر بحاطب بن أبي بلتعة وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعّر له مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حدّثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً، وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطباً في داره، فقال له: إن الذي قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع " وبتأمل هذا الأثر نجد عمر قد اهتم بشأن السوق حين دخله وقام فيه بجولة, رغم مكانته رضي الله عنه، ثم إن هموم الناس قد خالطت شغاف قلبه، حين خشي أن يؤدي تخفيض سعر البيع إلى الإضرار بالباعة، ولهذا أمر حاطباً أن يبيع بسعر السوق، وبعد أن خرج من السوق لامته نفسه، وخشي أن يكون قد تدخل فيما ليس من شأنه، فرجع إلى السوق ثانية، وقال له ما قال معتذراً، وهذا من تواضعه رضي الله عنه، ثم صرح له بالبيع كيف شاء، وترك سعر السوق يخضع لقانون العرض والطلب دون تدخل منه، أو من غيره. ومما روي عنه رضي الله عنه أنه رأى مرة رجلاً خلط اللبن بالماء، ويبيعه على هذه الصورة، فأراقه عليه. فهذه المواقف ونحوها، تعطي المتعاملين في السوق دروساً عملية في التربية، واستحضار مراقبة الله تعالى في البيع والشراء، وتحريم إلحاق الأذى بالناس .. إلخ، وهكذا ينبغي أن يكون ورثة الأنبياء، وهم العلماء، فينبغي أن يكرسوا الجهد في سبيل الدعوة, والتربية, والإصلاح.

يقف المستفتي حائراً في أحيان كثيرة بسبب تضارب الفتوى، فكيف يمكن للمستفتي أن يتجاوز هذا المأزق؟

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٧٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٧٥٢