3. إن قرار مجمع الفقه الإسلامي بمنع التورق المنظم، مع عدم اطلاع أعضائه فيما يبدو على أقوال السلف في هذا الخصوص، يشهد على كمال هذه الشريعة الغراء وربانيتها وعصمتها، فالكل يصدر عن مشكاة واحدة تعصم من تمسك بها عن الانحراف، وتهديه إلى المحجة البيضاء التي سار عليها السلف الصالح، مهما باعدت بينهم القرون وتطاولت بهم الأزمان.
4. وكون هذه المعاملة معروفة منذ القرن الأول الهجري، وكانت مواقف السلف منها بهذا الحسم والوضوح، دليل على أن مسيرة التمويل الإسلامي اليوم بحاجة لمراجعة جادة. فانتشار التورق المنظم والمصرفي تراجع وتقهقر للتمويل الإسلامي من جهتين: الأولى أن هذه الصيغة ممنوعة منذ القدم، وبدلاً من إيجاد صيغ وأدوات مشروعة، تتجه المؤسسات الإسلامية إلى الصيغ المشبوهة والممنوعة. الثانية أنها صيغة قديمة ليس فيها جديد، حتى لو غضضنا الطرف عن مدى مشروعيتها. إن منهج تصميم الأدوات والصيغ المالية السائد بحاجة حقيقية إلى إعادة نظر، والبحث عن منهجية أكثر إبداعاً، وفي الوقت نفسه أبعد عن الشبهات.
والله تعالى المسؤول أن يهدينا إلى الحق فيما اختلف فيه بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والحمد لله رب العالمين.
[1] انظر: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية، 6/614؛ القواعد النورانية، دار ابن الجوزي، ص173.
[2] الطبقات لابن سعد، دار بيروت، 5/141.
[3] المصنف لعبد الرزاق، المكتب الإسلامي، 8/294-295؛ المصنف لابن أبي شيبة، الدار السلفية، 7/275-276. وإسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب. ووقع عند عبد الرزاق "عبد الملك بن أبي عاصم" بدل "داود"، والترجيح من ابن أبي شيبة. ( وأشكر فضيلة الشيخ د. عبد الله بن وكيل الشيخ -حفظه الله- على مراجعته لإسناد الحديث).
[4] انظر مثلاً: المدونة، ط. السعادة، 4/244-248؛ المنتقى شرح الموطأ للباجي، 5/80.
[5] فقد ذكر عبد الرزاق العينة الثنائية في باب: الرجل يبيع السلعة ثم يريد شراءها بنقد، 8/184، بينما ذكر أثر سعيد في باب: الرجل يعيّن الرجل هل يشتريها منه أو يبيعها لنفسه. أما ابن أبي شيبة فقد ذكر العينة الثنائية في باب: الرجل يبيع السلعة بالنقد ثم يشتريها، 6/593، كما ذكر العينة في 6/47، 573، بينما ذكر أثر سعيد في باب: الرجل يبيع الدين إلى أجل.
[6] المصنف 6/47.
[7] سير أعلام النبلاء 4/577، 573.
[8] المصنف 8/295. والرواية الأولى إسنادها صحيح. والرواية الثانية فيها "رزيق بن أبي سلمى"، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/505 وسكت عليه. وجاء في الأصل في الرواية الثانية: "إذا ابتعته"، والتصحيح من حاشية التحقيق.
[9] انظر المصنف لابن أبي شيبة 6/48، بيان الدليل لابن تيمية، المكتب الإسلامي، ص73.
[10] سير أعلام النبلاء 8/55-56.
[11] المدونة 4/125، بحث "التورق كما تجريه المصارف" د. عبد الله السعيدي، ص18.
[12] النوادر والزيادات 6/94، وانظر الذخيرة 5/15.
[13] راجع بحث الكاتب:"التورق والتورق المنظم" : دراسة تأصيلية، ص10-14.
[14] كتاب الأصل، عالم الكتب، 5/192. وهناك زيادة أضافها المحقق للنص للإيضاح، حذفت هنا.
[15] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ط بولاق، 4/54.
[16] رد المحتار، ط بولاق، 4/114.
[17] الجامع الصغير، ط. عالم الكتب، ص(373) ، ( وأشكر فضيلة الشيخ د. علي الندوي -حفظه الله- لمراجعته الموضوع).
[18] انظر: طلبة الطلبة، دار النفائس، ص242؛ تبيين الحقائق،4/163؛ مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الكتب العلمية، 3/194. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود، انظر السلسلة الصحيحة رقم (11).
[19] انظر بحث "التورق والتورق المنظم"، ص19.
[20] فتح القدير، دار إحياء التراث، 6/224.
===============